تقف "صالحة"، المرأة الستينية، بجوار منزلها المتواضع في ريف تعز الغربي، تنظر بقلة حيلة إلى آثار حكة جلدية شديدة لازمتها لأشهر. كانت تكاليف الانتقال من قرية "ميهال الضباب" النائية إلى المراكز الطبية وسط مدينة تعز تفوق قدرتها المالية، في ظل أوضاع اقتصادية قاسية يعيشها معظم سكان الريف.
لكن يوم 27 أغسطس/آب حمل لها ولعشرات الأسر المحتاجة فرصة لم تكن متاحة من قبل؛ إذ وصلت إليهم خدمة الكشف والعلاج مجاناً، دون الحاجة إلى تحمل تكاليف السفر إلى المدينة.
مبادرة عيادة
في قرية "ميهال الضباب"، غربي مدينة تعز، انطلقت مبادرة "عيادة" التطوعية، وهي مبادرة يتبناها اختصاصي الأمراض الجلدية الدكتور عبدالرحيم السامعي، وتهدف إلى الوصول بالخدمات الطبية إلى المرضى في المناطق الريفية والنائية، خصوصاً الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً.
وتسعى المبادرة إلى تقليص الفجوة بين الحاجة إلى الرعاية الطبية وضعف القدرة المادية للسكان، وتخفيف أعباء الانتقال والحجز والعلاج التي تحول دون وصول كثير من المرضى في الأرياف إلى الأطباء المتخصصين.
في أحد مقاعد الانتظار بوحدة "ميهال" الصحية، يتحدث محمد العوبلي، وهو من فئة المهمشين وأحد المستفيدين من المبادرة، لـ"الصحوة نت" قائلاً: "كنت أحتاج إلى ما لا يقل عن خمسين ألف ريال يمني فقط للوصول إلى المدينة وعرض حالتي على طبيب مختص، وهو مبلغ يعادل دخلنا لأسابيع".
ويضيف: "اليوم تمكنت من إجراء الفحوصات والحصول على العلاج مجاناً. ما فعله الدكتور السامعي أعاد لنا الثقة بأن الخير لا يزال موجوداً بيننا".
تذليل الصعاب
وحول فكرة المبادرة، يقول مؤسسها الدكتور عبدالرحيم السامعي لـ"الصحوة نت" إن "عيادة" تقوم على تخصيص يوم الخميس من كل أسبوع لزيارة إحدى القرى أو المناطق النائية في ريف تعز، وتجميع الحالات المرضية في وحدة صحية قريبة لإجراء الكشف والمعاينة، وتقديم المشورة الطبية والعلاج مجاناً.
ويضيف أن المبادرة تنطلق من محاولة توفير أبسط الخدمات الصحية التي يحتاج إليها السكان، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والصحية التي فرضتها سنوات الحرب، وتوفير تكاليف الانتقال إلى المدينة والحجز لدى الأطباء وشراء الأدوية.
ويلفت السامعي إلى أهمية التشخيص المبكر للأمراض الجلدية، موضحاً أن بعض الحالات تبدأ بأعراض جلدية بسيطة، لكنها قد تتطور في حال إهمالها إلى أمراض مزمنة تحتاج إلى فترات علاج طويلة ومراجعات متكررة للمستشفيات والعيادات.
ويقول: "إذا استطعنا الوصول إلى المرض وتشخيصه في بدايته لدى الفئات الضعيفة والمهمشة، نكون قد قدمنا خدمة مهمة ووفرنا على المرضى كثيراً من المشقة والتكاليف التي قد يتحملونها لاحقاً، وهذا ما تهدف إليه المبادرة بشكل أساسي".
ويؤكد السامعي أن المبادرة ستواصل تقديم خدماتها للمحتاجين، مع العمل على تطويرها لتصبح أكثر انتظاماً واتساعاً، والوصول إلى مناطق ريفية أخرى.
وتعتمد "عيادة" حتى الآن على جهود ذاتية، دون دعم من جهات رسمية أو منظمات مجتمع مدني. ويقول السامعي إنه يستفيد من علاقاته في القطاع الصحي لتوفير الأدوية للمرضى، فيما يتحمل على نفقته الشخصية تكاليف النزول الميداني وتنقل الفريق والمصروفات الأخرى المرتبطة بالمبادرة.
إقبال لافت
وفي يومها الأول، شهدت وحدة "ميهال الضباب" الصحية إقبالاً من أبناء المنطقة الذين توافدوا منذ ساعات الصباح، وتمكنت المبادرة من فحص وتشخيص وتقديم العلاج مجاناً لـ41 حالة، شملت أطفالاً وكبار سن يعانون من مشكلات وأمراض جلدية مختلفة.
ويقول مدير وحدة "ميهال الضباب" الصحية، الدكتور يوسف محمد عبدالله، لـ"الصحوة نت"، إن الوحدات الصحية في المناطق الريفية تعاني شح الإمكانات والمستلزمات، ما يجعلها عاجزة في كثير من الأحيان عن التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تخصصات طبية غير متوافرة فيها.
ويضيف: "وجود الدكتور السامعي ومبادرته أحدث فارقاً، ليس فقط من خلال علاج عشرات الحالات، بل أيضاً في رفع مستوى الوعي لدى الأهالي بأهمية الفحص المبكر والوقاية من الأمراض الجلدية".
وبحسب عبدالله، وفرت العيادة التطوعية خدمة مهمة للمرضى، خصوصاً المهمشين والنازحين والأسر محدودة الدخل التي تعجز عن تحمل تكاليف الانتقال إلى المدينة، في منطقة تعاني نقصاً واضحاً في الخدمات الصحية وتضم أعداداً من الفئات الأشد احتياجاً.
وتقع منطقة "ميهال" بالقرب من مكب للنفايات في منطقة الضباب، وهو ما يربطه مدير الوحدة بانتشار بعض الأمراض الجلدية بين السكان، إلى جانب الظروف البيئية وشح الخدمات.
وبالنسبة إلى صالحة ومحمد وعشرات المرضى الذين وصلوا إلى الوحدة الصحية، لم تكن المبادرة مجرد زيارة طبيب إلى قرية بعيدة، بل فرصة للحصول على خدمة طبية كانت كلفتها وبعد المسافة يحولان دون الوصول إليها.
ومع استمرار "عيادة" أسبوعياً واتجاهها إلى قرى أخرى، يراهن القائمون عليها على أن يسهم هذا الجهد التطوعي في تخفيف جانب من معاناة مرضى الريف، في وقت ما تزال فيه الحاجة إلى الخدمات الصحية أكبر من قدرة المبادرات الفردية على تلبيتها.