ليلة التعذيب التي بدأت بخطاب الحوثي وانتهت بجثة هامدة - صلاح القاعدي
Party
5 days ago
share

بعد قرابة خمسة وعشرين يومًا من اختطافي، وتحديدًا في ليلة 21 سبتمبر 2015م، التي صادفت الذكرى الأولى لاجتياح العاصمة صنعاء من قبل مليشيات الحو..ثي، كنت على موعد مع واحدة من أقسى ليالي التعذيب التي عشتها خلال سنوات السجن.

في تلك الليلة، كانت المليشيات على موعد مع خطاب لزعيمها عبدالملك الحو..ثي، وبمجرد أن اقتربت الساعة من الثامنة مساءً، دخل الشاوش إلى السجن، وأخرجنا من الزنازين إلى الصالة، ثم فتح لنا جهاز راديو كان يبث خطاب الحوثي احتفالًا بما أسماه «الذكرى الأولى للثورة».

جلس الجميع آذانًا صاغية، وكان بعضنا يأمل أن يحمل الخطاب أمرًا بإطلاق سراح المختطفين، خصوصًا أن إدارة السجن حرصت على إسماعنا الخطاب. لكن ذلك الأمل سرعان ما تبدد.

لم نسمع أمرًا بالإفراج، بل سمعنا تحريضًا جديدًا ضد الصحفيين والإعلاميين؛ إذ وصفهم الحوثي بأنهم «أخطر من الذين يقاتلون في الجبهات».
وبمجرد أن أنهى هذه العبارة، التفت جميع المختطفين نحوي.

كانت نظراتهم مختلفة هذه المرة؛ نظرات شفقة ورحمة، وكأنهم يقدّمون لي تعزية مسبقة، ويدعونني إلى الثبات أمام ما بدا أنه قادم لا محالة.

انتهى الخطاب، وعاد كل واحد منا إلى زنزانته.

عدت إلى زنزانتي وأنا أحاول إقناع نفسي بأن شيئًا لن يحدث. فقد أمضيت قرابة خمسة وعشرين يومًا في السجن، ومرت الأيام السابقة دون أن أتعرض لما كنت أخشاه. لذلك اعتبرت ما ورد في الخطاب مجرد كلام، ولم أكن أعلم أن تلك الكلمات ستتحول بعد ساعات قليلة إلى واقع على جسدي.

بعد نحو ساعتين من انتهاء الخطاب، جاء أحد المستلمين وفتح باب السجن.

ومع اقتراب خطواته من زنزانتي، بدأ الخوف يتسارع في داخلي. فتح الباب، وأخرجني، ثم وضع قطعة من القماش على عيني، وقيد يديّ إلى الخلف، واقتادني إلى غرفة التحقيق القريبة من السجن.

كان تقييد يديّ إلى الخلف هذه المرة مختلفًا عن المرات السابقة، فقد كانوا يقيدونهما أمامي عندما يخرجونني للتحقيق. شعرت منذ اللحظة الأولى بأن شيئًا مختلفًا ينتظرني.

أجلسني المحقق على الكرسي، وبدأ يسألني:

ما علاقتك بأمريكا وإسرائيل؟

ثم وجه إليّ التهمة مباشرة:

«أنت سبب احتلال إسرائيل لفلسطين».

أجبته:

ليس لي أي علاقة بهم. أما الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين فقد حدث عام 1948، وكان أبي طفلًا حينها، أما أنا فلم أكن قد وُلدت أصلًا.

سكت للحظة، ثم قال:

«أنت سبب هروب عبد ربه منصور هادي».

وبدأ يصفعني على وجهي.

كان صوت الصفعات والصراخ يخترق غرفة التحقيق ويصل إلى الزنازين المجاورة، حيث كان عشرات المعتقلين نائمين. أيقظهم صراخي، وعاشوا هم أيضًا ساعات من الخوف، وهم يسمعون أصوات التعذيب دون أن يعرفوا ما الذي يحدث لي.

انتقل المحقق إلى أسئلة أخرى عن أرقام هواتف قال إنها موجودة في هاتفي، لكنها في الحقيقة لم تكن مسجلة فيه.

كان يسألني:

من أصحاب هذه الأرقام؟

ثم يضربني.

أضرب حتى أفقد الوعي وأسقط على الأرض، فيرش الماء على وجهي حتى أستعيد وعيي، ثم يعاود ضربي من جديد، حتى أفقد الوعي مرة أخرى.

وهكذا استمر التحقيق.

كان من بين الأسئلة التي وجهها إليّ:

ما علاقتك بإعلام مقاومة آزال؟

ومن يصدر صحيفة «صوت المقاومة»؟

قلت له:

أنت لا تبحث عن معلومة بقدر ما تبحث عن ذريعة للضرب والتعذيب.

دفعت ثمن هذه الجملة غاليًا.

استمر في ضربي، وهو يردد:

«أنتم خونة، عملاء، أعداء الشعب».

وكان يقصد الصحفيين.

في تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن أدفع ثمن ما يعتقدون أنني فعلته فقط، بل كنت أدفع فاتورة حقدهم على الصحفيين جميعًا، وكان جسدي هو المكان الذي يفرغون فيه هذا الحقد.

يربطني بقناة سهيل ويصفعني.

وربطني بقناة الجزيرة ويضربني.

ثم ربطني بقناة العربية والحدث واستمر في ضربي.

ثم اتهمني بالارتباط بوكالات استخبارات عالمية، ووضع المسدس على رأسي مهددًا بقتلي.

كان خطاب التحريض الذي سمعناه قبل ساعات حاضرًا في غرفة التحقيق، وكأن المحقق جاء ليترجم ذلك الخطاب إلى ضرب وشتائم وتهديدات.

بعد نحو ساعة من الضرب المتواصل، بدا أن المحقق قد تعب، فأمر شخصًا آخر كان يقف بجواره، وهو نفسه الذي اقتادني من الزنزانة، بأن يساعده في ضربي.

اقترب مني وبدأ يصفع وجهي بقوة حتى أسقطني من على الكرسي.

أعادني إليه، واستمر في التركيز على وجهي بالصفع، حتى سال الدم من أنفي ومن بين أضراسي وتلطخت به ملابسي.

ثم نفث في وجهي القات المخلوط بـ«الشمة»، وأخرج قطعة من الحديد وضربني بها على فخذي.

تعالى صراخي من شدة الألم، وتعالت معه أصواتهم بالسب والشتم والقذف.

وكلما صرخت من الألم، اتسع نطاق التعذيب ليشمل أجزاء أخرى من جسدي: رأسي، وصدري، وبطني، وظهري، وأقدامي.

كانوا يركلونني بأقدامهم ويضربونني في أماكن متفرقة من جسمي، حتى شعرت أن الموت أصبح قريبًا مني.

بدأت أنطق الشهادتين بشكل متواصل، بينما استمر التعذيب، حتى تعبوا هم من ضربي.

عندها سمعت المحقق يقول لمساعده:

«هات الغالي».

والغالي اسم كلب بوليسي كان مربوطًا عند بوابة السجن. كان كبير الحجم، وقيل لي إن له جواز سفر، وإنه كان ملكًا لأحد التجار الذي جلبه من إحدى الدول الغربية. وبعد سيطرة مليشيات الحوثي على صنعاء وقع الكلب في أيديها، وأُحضر إلى السجن ليؤدي هذا الدور.

جاء المساعد بالكلب، يجره خلفه بسلسلة، وهو يقول له:

«يا غالي، هذا داعشي كله».

توقف الكلب بجواري، بينما كنت مستمرًا في الصراخ.

ثم دفعه من الخلف فوقي.

لكنه لم يؤذني.

وعندما يئس المحقق من استخدام الكلب، قال لي:

«لأنك حقير ونجس لم يلمسك الكلب».

في تلك الأثناء، سمعت الأذان الأول للفجر من المسجد.

عندها قال المحقق لمساعده:

«أعده إلى الزنزانة، وبعد نصف ساعة أرجعه إليّ».

أعادوني إلى الزنزانة جثة هامدة، يسحبونني على ظهري.

لم أكن أفكر فيما تعرضت له بقدر خوفي من العودة إليه مرة أخرى.

كنت أدعو الله أن يصرف عني ذلك الوحش الذي لا يرحم.

لم أستطع أن أصلي إلا سجدة واحدة، وكلما سمعت صوتًا في الزنازين المجاورة رفعت رأسي مذعورًا، معتقدًا أن الشاوش جاء ليعيدني إلى غرفة التحقيق.

كان الظلام دامسًا، ولم أكن أعرف أي عضو من أعضاء جسدي أتفقد من شدة الألم.

هل ما زالت أضراسي في مكانها أم فقدت بعضها؟

أذني كانت تصدر طنينًا من شدة اللطم.

وجهي ملطخ بالدم.

رأسي يؤلمني بشدة.

صدري ملتهب من الضرب والركل.

وقدماي عاجزتان عن حمل جسمي المنهك.

بدأ عقلي يستعيد قصص التعذيب التي قرأتها من قبل عن أشخاص رووا ما تعرضوا له في السجون.

وهأنذا أصبحت واحدًا من أولئك الذين قرأت عنهم.

تحولت من قارئ لقصص التعذيب إلى قصة جديدة منها.

كانت ليلة 21 سبتمبر 2015م؛ ليلة الذكرى الأولى لاجتياح صنعاء، وليلة الخطاب التحريضي الذي سبق ساعات التعذيب.

وبينما كنت غارقًا في هذا الحوار الداخلي الممزوج بالألم والأنين الذي كانت تسمعه الزنازين المجاورة، سمعت المؤذن ينادي لصلاة الفجر.

عندها شعرت أنني لن أعود إلى غرفة التحقيق مرة أخرى.

ضربت بيدي عرض الجدار متيممًا، وصليت الفجر جالسًا، ثم انتظرت طلوع الشمس حتى أتمكن من رؤية ما حل بجسدي.

وعندما أشرقت الشمس، رفعت الثوب عن فخذي.

كانا مسودين من أثر الضرب بالحديد، كسواد تلك القلوب التي لم تحمل مثقال ذرة من الرحمة.

تحسست مصدر الدم الذي لطخ ملابسي، فإذا به من بين أضراسي ومن أنفي.

ونظرت إلى صدري، فرأيت آثار الضرب وقد تركت خطوطًا حمراء متقاطعة عليه.

وبينما كنت على تلك الحال، سمعت نافذة الزنزانة الصغيرة، الواقعة في أعلى الباب، تُفتح بهدوء.

ظهر منها الأستاذ نايف الثابتي، رحمه الله.

جاء متخفيًا، وأعطاني كسرة خبز «خمير» وكوبًا من الشاي، ثم انصرف بسرعة حتى لا يشعر به أحد.

أخذت قطعة من الخبز وأدخلتها في فمي محاولًا مضغها، لكن أضراسي لم تقوَ على ذلك من شدة الألم.

اضطررت إلى إخراجها.

فضّلت ألم الجوع على ألم مضغ الطعام.

كنت أشعر بالجوع يمزق أمعائي بعد تلك الليلة المشؤومة.

عاد نايف الثابتي مرة أخرى بعدما سمع أنيني ليتفقدني.

أخبرته أنني لم أستطع مضغ الخبز، وكان قد أحضر معه موزًا وعصيرًا جلبهما له صديق زاره في السجن قبل عودته بثوانٍ.

رأى نايف الدم على وجهي، وشاهد آثار الضرب على صدري، ثم كشفت له عن فخذي.

وبعد ذلك، شاهد آثار التعذيب عدد من المعتقلين الموجودين في السجن، ومنهم محمد الدريني  وغيره كثير ممن لم تعد ذاكرتي تحتفظ بأسمائهم.

استمرت آثار التعذيب ظاهرة على جسدي لأشهر.

وشاهدها أفراد أسرتي خلال زياراتهم لي.

رفعوا شكوى بشأن ما تعرضت له، ونزلت لجنة للتحقيق في الواقعة.

أخرجني المستلم لمقابلتها إلى نفس الغرفة التي تم تعذيبي فيها .

وأجلسوني على نفس الكرسي الذي أجلسني عليه المحقق.

وكشفت لهم عن أثار التعذيب ،في وجهي، ويداي، وفخذاي وصدري ،وظهري .

ثم قال أحدهم بعد أن همس لصاحبه : تصرفات فردية

ثم أعادوني إلى السجن قبل أن يغادروا .

لكن شيئًا لم يتغير.

لم تُنصفني تلك اللجنة، ولم يتوقف التعذيب.

بل كانت النتيجة أن نُقلت من قسم الجديري إلى احتياطي هبرة، وأُخفيت عن أسرتي.

وهناك بدأت معاناة جديدة، لم تكن أقل قسوة من تلك الليلة.

كانت ليلة 21 سبتمبر مجرد فصل واحد من فصول السجن؛ لكنها كانت الليلة التي أدركت فيها أن التعذيب لم يكن مجرد وسيلة لانتزاع المعلومات، بل كان أحيانًا عقوبةً على المهنة، وعلى الموقف، وعلى مجرد كونك صحفيًا في نظر من أرادوا إسكاتك.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows