حداد مؤجل وعائلات على قيد الانتظار.. كلفة باهظة تدفعها أسر ضحايا الإخفاء باليمن
Party
1 week ago
share

في زاوية من منزلها شمال مدينة تعز، تقلّب أم عبد الإله قاسم (55 عاما) صور نجلها الوحيد ومقتنياته، وتتأمل ملامح غابت عنها منذ سنوات. ومع كل طرقة على الباب، يعود إليها الأمل بأن يكون هو الطارق.

 

تقول إن نجلها اختُطف أثناء سفره من مدينة تعز إلى صنعاء للعلاج عام 2022، عند إحدى النقاط التابعة لجماعة الحوثي. ومنذ ذلك الحين، لا تعرف إن كان حيا أو ميتا؛ فلا تملك يقينا يسمح لها بانتظار عودته، ولا خبرا يتيح لها إقامة عزاء.

 

وتضيف للصحوة نت بصوت خافت: "المرارة ليست في الغياب، بل في أنني لا أدري ما مصيره؛ هل هو ميت فأدعو له بالرحمة، أم سجين فأدعو له بالفرج؟".

 

انتظار بلا نهاية

 

لا تختلف كثيرًا قصة "أم عمر"، زوجة خالد السياغي، الذي انقطعت أخباره منذ عام 2016 عقب مغادرته مقر عمله في أحد المصانع بمنطقة الحوبان شرقي مدينة تعز.

 

بعد نحو عقد من الغياب، لم يبق لها سوى وثيقة زواجهما وذكريات تستعيدها وهي تنتظر عودته، فيما يلاحقها سؤال أطفالها الثلاثة عن والدهم من دون أن تملك إجابة.

 

وتقول للصحوة نت: "كل ما أريده أن أعرف إن كان حيا أم ميتا. توفيت والدته حزنا عليه بعد اختفائه بأربع سنوات، من دون أن تعرف شيئا عن مصيره".

 

ولم يقتصر ثمن الغياب على الانتظار. تقول أم عمر إنها اضطرت إلى الاستدانة ودفع أموال لأشخاص وعدوها بمعلومات أو طمأنة عن زوجها، لكنها لم تحصل في النهاية إلا على وعود مبهمة.

 

وتضيف: "كانوا يبيعون لي الأوهام فقط، بينما تتضاعف علينا الأعباء النفسية والمعيشية".

 

ومنذ اختفاء زوجها، تحملت مسؤولية الأسرة وحدها، بين توفير احتياجات أطفالها وملاحقة أي خيط قد يقود إلى مصيره، في انتظار مفتوح تقول إنه أنهك صحتها وحياتها.

 

أرقام خلف الغياب

 

تعكس القصتان جانبا من معاناة أسر يمنية تعيش منذ سنوات على وقع غياب لا تعرف نهايته، في واحدة من أكثر تداعيات الحرب قسوة على عائلات المعتقلين والمخفيين قسرا.

 

وتوثق تقارير حقوقية آلاف حالات الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري منذ اندلاع الحرب، بينها حالات في محافظة تعز طالت مدنيين وناشطين وسياسيين وعمالا، بعضهم اعتقلوا عند نقاط تفتيش أو خلال مداهمات.

 

وبحسب تقارير منظمة "سام" للحقوق والحريات، سُجلت في تعز أكثر من 1200 حالة احتجاز تعسفي واختطاف منذ بدء الحرب، بينها أكثر من 380 حالة إخفاء قسري.

 

وتشير التقارير إلى نقل بعض المخفيين إلى معتقلات خارج المحافظة أو احتجازهم في أماكن غير معلنة، بما يحرم أسرهم من التواصل معهم أو معرفة أوضاعهم القانونية والصحية.

 

كما تقول رابطة أمهات المختطفين إنها وثقت، خلال سنوات الحرب، آلاف حالات الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في محافظات يمنية عدة، في مؤشر على اتساع الظاهرة وتراكم آثارها على الأسر.

 

ولا تتوقف المعاناة عند فقدان المعلومة؛ فشهادات أسر، بينها أسرة خالد السياغي، تكشف عن سوق موازية من الوسطاء والسماسرة الذين يستغلون بحث العائلات عن ذويها مقابل أموال ومعلومات لا يمكن التحقق منها.

 

جريمة مستمرة

 

من الناحية القانونية، يقول المحامي والناشط الحقوقي علي الصراري إن الإخفاء القسري يتجاوز مفهوم "الفقدان العادي"، لأنه يقوم على سلب الحرية ثم رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص ومكان وجوده.

 

ويضيف للصحوة نت أن هذه الممارسة تمثل انتهاكا جسيما للقانون الدولي، ويمكن أن ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية عندما تُرتكب ضمن هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين.

 

ويرى الصراري أن أسرة المخفي تتحول بدورها إلى ضحية، إذ تعيش الزوجة أو الأم في حالة قانونية وإنسانية معلقة؛ فلا تعرف إن كانت تنتظر شخصا حيا أم تودع ميتا، بينما يستمر القلق سنوات طويلة.

 

ويصف ذلك بـ"الموت المدني"، موضحا أن الغياب القسري يترك الأسرة أمام أعباء قانونية ومعيشية ونفسية متراكمة، خصوصا حين يكون المخفي هو المعيل الرئيسي.

 

ويحذر الصراري من شبكات تستغل حاجة الأسر إلى المعلومة مقابل المال، مؤكدا أن دفع الأموال لا يضمن الكشف عن مصير المخفي، وقد يفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز.

 

ويشدد على أهمية توحيد بيانات الضحايا وتوثيق الحالات في قاعدة وطنية موثوقة، بما يحفظ الأدلة وحقوق الضحايا وأسرهم في المساءلة وجبر الضرر والتعويض مستقبلًا.

 

أسر ضحايا أيضا

 

وتقول رئيسة رابطة أمهات المختطفين والمخفيين قسرا في تعز أسماء الراعي إن الحديث عن الإخفاء القسري لا يكتمل من دون النظر إلى الأسرة بوصفها ضحية مباشرة للجريمة.

 

وتضيف للصحوة نت أن أسر المخفيين "تنام وتصحو على السؤال نفسه: أين أبناؤنا؟ وهل ما زالوا على قيد الحياة؟"، مشيرة إلى أن بعض العائلات تعيش هذا الانتظار منذ أكثر من عقد.

 

وخلال هذه السنوات، كبر أطفال بعيدا عن آبائهم، وتدهورت صحة أمهات وآباء تحت وطأة الحزن والانتظار، فيما وجدت أسر كثيرة نفسها بلا معيل، بحسب الراعي.

 

وتوضح أن الرابطة تعمل على جمع بيانات الضحايا وتوثيق الانتهاكات وتنظيم الوقفات وجلسات الاستماع، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والقانوني للأسر والمفرج عنهم، وإعداد ملفات حقوقية يمكن الاستناد إليها مستقبلا في المطالبة بالإنصاف وجبر الضرر.

 

وبالنسبة إلى أم عبد الإله وأم عمر، لا تبدو المطالب معقدة؛ فكل ما تريدانه هو معلومة يقينية تنهي سنوات العيش بين احتمالين.

 

فالإخفاء القسري لا يسلب الضحية حريته وحدها، بل يترك أسرته معلقة بين الأمل والفقد، في حداد لا تستطيع إعلانه وانتظار لا تعرف متى ينتهي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows