مرّت خمس سنوات على عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، بعد عشرين سنة من إسقاطها على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إثر تورطها في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. كان دخول الحركة إلى العاصمة كابول مفزعاً، ولعل أفضل ما جسّد ذلك الفزع صور المواطنين الأفغان وهم عالقون على جانبي طائرة عسكرية أمريكية تهمّ بالإقلاع.
كانت تلك المشاهد الصادمة تعبيراً عن خوف الأفغان من بطش الحركة ومن عودتها إلى انغلاقها القديم. وبعد خمس سنوات، تحوّل التخوف إلى واقع تؤكده خصوصاً وضعية المرأة في بلد يُعدّ اليوم من الأخطر في العالم على النساء.
نلمس هذه الخطورة في تصريحات ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في أفغانستان، سوزان فرغسون، خلال الأسبوع المنقضي، إذ طالبت الحركة باحترام حقوق النساء وبالوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي في هذا المجال.
ومبعث قلق الأمم المتحدة هو الواقع الذي عاينته خبيراتها ميدانيا، فقد أحصين أكثر من مائة إجراء مقيّد لحقوق النساء، جعل منهن الفئة الأضعف في المجتمع. فحرمان الفتيات من حقهن في التعليم يمثل أكبر خطر محدق بالنساء وبالمجتمع الأفغاني، لأنه يقصي عملياً نصفه من الحياة العامة ومن التنمية. كما أدى غلق المجال العمومي في وجه النساء إلى تدهور أوضاعهن الصحية والنفسية. فبين الخوف من الضرب والإهانة على يد شرطة طالبان، والبقاء سجينة المنزل لا تخرج إلا مرة أو مرتين في الشهر، ازدادت هشاشة المرأة، خاصة في المدن.
وقد وجدت عودة طالبان إلى سياستها التمييزية ضد النساء، في تجربتها الثانية في الحكم، سنداً إلى حد ما في قبول مجتمعي. فهي تنبع من واقع أفغاني تحكمه قيم القبيلة والعرف أكثر مما تمثل مجرد تطبيق لرؤى حركات الإسلام السياسي، على الرغم من توظيف الشريعة الإسلامية مرجعاً لها.
وتبرز هذه المساندة خاصة في الأرياف والمناطق النائية التي بقيت مهمشة طوال وجود القوات الدولية في أفغانستان، بخلاف المدن الكبرى. فقد نجح التحالف الدولي في خلق طبقة سياسية في كابول، لكنه فشل في بناء الدولة، وبالتالي في الحد من تأثير الثقافات المحلية القديمة.
في الوقت نفسه، تستفيد حركة طالبان من صمت المجتمع الدولي، الذي يبدو أن جزءاً منه، ولا سيما في العالم الإسلامي، يتسابق إلى التقرب منها. وأكثر من ذلك، يبدو أن عدداً من الدول والمنظمات الدولية بصدد تقليص مساعداتها للجمعيات الناشطة في المجال النسائي داخل أفغانستان. ومن شأن ذلك أن يعمّق عزلة المرأة الأفغانية وأن يكرّس معاناتها، في لحظة تحتاج فيها إلى سند دولي لا إلى مزيد من التخلي.