على مدار أكثر من ثمانية أشهر، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مناسبات عديدة أن الحرب في غزة انتهت وأن السلام تحقق في الشرق الأوسط.
راجع مرصد كاشف الوقائع الميدانية والتقارير الأممية الرسمية، إضافة إلى نتائج تنفيذ البنود الأساسية في خطة ترامب المؤلفة من 20 نقطة، فاتضح فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض.
فإذا كانت الحرب قد انتهت بالفعل كما أعلن ترامب مرارا، فلماذا استمرت الغارات العسكرية وسقوط الضحايا؟ ولماذا بقيت القيود على المساعدات؟ ولماذا لم يُفتح معبر رفح وفق الآلية التي نصت عليها الخطة الأميركية؟ ولماذا لا يزال آلاف المرضى ينتظرون العلاج خارج القطاع؟
وبعد مرور نحو ثمانية أشهر على هذا التصريح، تابع مرصد كاشف صحته وهل فعلاً انتهت الحرب في غزة؟
الجدول الزمني للادعاء
29 أيلول 2025
استقبل ترامب رئيس وزراء الاحتلاب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، بالتزامن مع الكشف عن خطته لإنهاء الحرب في غزة، واصفاً اللقاء بأنه “يوم تاريخي للسلام”.
1 تشرين الأول 2025
أصدر البيت الأبيض بيانا بعنوان:
“الدعم العالمي لرؤية الرئيس ترامب الجريئة للسلام في غزة”
وتحدث عن إنهاء الحرب وإطلاق عملية إعادة إعمار القطاع.
12 تشرين الأول 2025
أعلن ترامب من داخل طائرته الرئاسية أمام الصحفيين:
“الحرب في غزة انتهت”
وردد العبارة أكثر من مرة أثناء حديثه عن الاتفاق.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتاريخ 12 تشرين الأول 2025، أن “الحرب في غزة انتهت”، وذلك خلال حديثه مع الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية الأميركية، مكررًا العبارة أكثر من مرة في معرض حديثه عن الاتفاق الذي وضع حدًا للحرب وفتح الطريق أمام تنفيذ ترتيبات المرحلة التالية.
وقال ترامب إن الاتفاق يمهّد لمرحلة جديدة في قطاع غزة، تتضمن تثبيت وقف الحرب والانتقال إلى معالجة تداعياتها الإنسانية، وصولًا إلى إطلاق عملية إعادة إعمار القطاع، في إطار رؤية أميركية قال البيت الأبيض إنها تهدف إلى إنهاء الحرب وتحويل غزة إلى مسار جديد من الاستقرار والتنمية.
13 تشرين الأول 2025
قال ترامب خلال قمة شرم الشيخ:
“أخيراً أصبح لدينا سلام في الشرق الأوسط”
وأضاف: هذا الإنجاز لا يمثل فقط نهاية الحرب في غزة بل بداية جديدة لشرق أوسط جميل.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مشاركته في قمة شرم الشيخ، إن الوثيقة التي جرى توقيعها خلال القمة تمثل إنجازا تاريخيا، مؤكدا أن الأطراف المشاركة “حققنا معا ما قال الجميع إنه مستحيل، وهو السلام في الشرق الأوسط”، مشيرا إلى أن الحرب في قطاع غزة انتهت وأن المساعدات الإنسانية بدأت بالتدفق إلى القطاع.
واعتبر ترامب أن المرحلة المقبلة، والمتمثلة في إعادة بناء قطاع غزة، قد تكون الأصعب، موجها شكره إلى الدول العربية والإسلامية التي أسهمت في تحقيق ما وصفه بالانفراجة. وخص بالشكر أمير دولة قطر، واصفا إياه بأنه “رجل استثنائي يحظى باحترام عظيم”.
20 شباط 2026
كرر ترامب الادعاء خلال الاجتماع الافتتاحي لما سمي “مجلس السلام”، قائلاً:
“لقد انتهت الحرب في غزة.. هناك شرارات صغيرة فقط.”
كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 20 شباط 2026، إعلانه انتهاء الحرب في قطاع غزة، وذلك خلال الاجتماع الافتتاحي لما سُمي “مجلس السلام”، قائلا: “لقد انتهت الحرب في غزة.. هناك شرارات صغيرة فقط”، في تأكيد جديد لموقفه بشأن انتهاء الحرب وانتقال القطاع إلى مرحلة ما بعد القتال.
وجاءت تصريحات ترامب خلال الاجتماع الأول للمجلس، الذي عُقد لبحث المرحلة المقبلة من خطته بشأن غزة، في ظل التركيز على تثبيت الهدوء والانتقال إلى ترتيبات ما بعد الحرب. ويأتي تكرار ترامب لهذا الإعلان بعد تصريحات سابقة أكد فيها أن الحرب انتهت.
ماذا وعدت خطة ترامب؟
وفق نص الخطة المنشور رسميا، تعهدت الإدارة الأميركية بما يلي:
- وقف الحرب
- وقف العمليات العسكرية
- وقف القصف الجوي
- تدفق كامل للمساعدات
- إعادة تأهيل البنية التحتية
- إعادة تأهيل المستشفيات
- إزالة الأنقاض وفتح الطرق
- فتح معبر رفح وفق آلية خاصة
- تسهيل خروج المرضى للعلاج
- إطلاق إعادة إعمار شاملة
تفاصيل التحقق:
أولاً: استمرار القصف
19 تشرين الأول 2025
سجل أول اختبار كبير لاتفاق وقف إطلاق النار بعد غارات من الاحتلال الإسرائيلي أسفرت عن استشهاد وجرح عدد من الفلسطينيين.
29 تشرين الأول 2025
شهد القطاع موجة قصف إسرائيلية عنيفة أسفرت عن استشهاد أكثر من 100 فلسطيني بينهم 46 طفلا.
4 آب 2026
أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة توثيق أكثر من 4000 خرق إسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، واستشهاد أكثر من 1258فلسطيني منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار.
في الوقت الذي كان ترامب يتحدث فيه عن ” تحقيق السلام ووقف الحرب”، كانت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) توثق استمرار العمليات العسكرية.
أكد التقرير الذي انتشر بتاريخ 16 تموز 2026 أن “العمليات العسكرية المتواصلة والنزوح الجديد وتدهور الوصول الإنساني ما زالت تحد من المساعدات وترفع المخاطر على المدنيين”
كما أكد تقرير آخر صدر من أوتشا بتاريخ 31 تموز 2026 استمرار:
- العمليات العسكرية.
- الضربات الجوية.
- سقوط ضحايا مدنيين.
- موجات نزوح جديدة.
كما وصف الوضع الإنساني في غزة بأنه “لا يزال كارثيا”.
ثانياً: أين إعادة الإعمار التي وعد بها ترامب؟
أحد أهم تعهدات الخطة الأميركية كان إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة النطاق وفتح الطرق وإزالة الأنقاض.
لكن بعد ثمانية أشهر من إعلان “انتهاء الحرب”، ما زالت الأمم المتحدة تتحدث عن دمار هائل غير معالج.
أكد تقرير أوتشا الذي صدر بتاريخ 23 تموز 2026 أن “ما يزيد على 60 مليون طن من الركام ما تزال موجودة في قطاع غزة”.
وأضاف أن ما تمت إزالته لا يمثل سوى جزء محدود من حجم الدمار المتراكم داخل القطاع.
وقال الصحفي أحمد مغاري من قطاع غزة لمرصد كاشف إنه ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار قبل نحو 8 شهور، إلا أن ذلك لم ينعكس على الواقع الإنساني في قطاع غزة كما كان يأمل الفلسطينيون. مردفا: فما زالت آلاف العائلات تعيش بين الركام أو في مراكز الإيواء والخيام، فيما تتواصل أزمة الغذاء والمياه الصالحة للشرب والدواء، وتواجه المستشفيات نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل أقسامها الحيوية. كما لا تزال القيود المفروضة على دخول المساعدات والمواد الأساسية تعيق جهود الإغاثة وإعادة الحياة إلى القطاع، ليبقى وقف إطلاق النار، بالنسبة لكثير من سكان غزة، انخفاضا في وتيرة القصف والتدمير وبنسبة كبيرة، لا نهايةً للكارثة الإنسانية التي تتفاقم يوماً بعد آخر.
وأكد أنه وبناء على المعلومات الصادرة من المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة بتاريخ 6/8/2026، فقد دخل قطاع غزة 63094 شاحنة من أصل 180 ألف شاحنة كان يفترض دخولها حتى اليوم بنسبة 35%، وهو الأمر الذي يبقي الأزمة الإنسانية متفاقمة نتيجة العراقيل الإسرائيلية.
ثالثاً: معبر رفح
تضمنت خطة ترامب بنداً واضحاً بشأن المعبر. جاء في الخطة: “فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين وفق الآلية المعتمدة في اتفاق 19 كانون الثاني 2025.
أكد تقرير أوتشا الذي اصدر بتاريخ 19 آذار 2026 أن معبر رفح أعيد فتحه فقط للحركة المحدودة للأشخاص، خصوصاً الإجلاءات الطبية وبعض حالات العودة.
وأصدر المركز الإعلامي الحكومي في قطاع غزة بتاريخ 6/8/2026 تقريراً أن “سلطات الاحتلال سمحت بسفر 10703 مسافرين فقط من أصل 27400 كان يفترض تمكينهم من المغادرة عبر معبر رفح، بنسبة التزام بلغت 39 بالمئة، ما يحد من قدرة المرضى والجرحى والطلاب على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية خارج القطاع.
رابعاً: آلاف المرضى ما زالوا ينتظرون العلاج
إذا كان أحد أهداف الخطة هو تخفيف المعاناة الإنسانية، فإن ملف المرضى يقدم مؤشراً واضحاً على حجم الفجوة بين التعهدات والواقع.
للتحقق من ذلك، تواصل مرصد كاشف مع مدير مركز المعلومات في وزارة الصحة بقطاع غزة، الدكتور زاهر الوحيدي، وأوضح أن أكثر من 21 ألف مريض وجريح ما زالوا بحاجة إلى الإجلاء الطبي والعلاج خارج قطاع غزة، في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على سفر المرضى، لغاية تاريخ 6/8/2026.
وأوضح الوحيدي أن العدد يشمل نحو 19 ألف مريض بحاجة إلى العلاج خارج القطاع، إضافة إلى 8 آلاف جريح لديهم تحويلات طبية جاهزة، من بينهم أكثر من ألفي حالة طارئة، تشمل أكثر من 200 حالة إنقاذ حياة تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً.
وأضاف أن من بين الحالات التي تنتظر الإجلاء أكثر من 5600 طفل، إلى جانب 4 آلاف مريض أورام، مؤكدا أن جميعهم بحاجة ماسة إلى تلقي العلاج في مستشفيات خارج قطاع غزة.
وأشار إلى أن القيود الإسرائيلية لا تسمح سوى بإجلاء 20 إلى 30 مريضا يوميا، وهو معدل لا يتجاوز 200 إلى 300 مريض شهريا، معتبرا أن هذه الأعداد لا تتناسب إطلاقا مع حجم الاحتياجات الطبية المتزايدة.
وحذر الوحيدي من أن استمرار التأخير في إجلاء المرضى يهدد حياتهم بشكل مباشر، كاشفا أن أكثر من 1700 مريض فقدوا حياتهم أثناء انتظارهم الحصول على فرصة للسفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة.
كما أعلنت منظمة الصحة العالمية أنه حتى 16 شباط 2026 لا يزال أكثر من 18,500 مريض بحاجة ماسة إلى علاج غير متوفر داخل قطاع غزة.
وفي تقرير صادر من أوتشا بتاريخ 18 شباط 2026، أكدت فيه أن عدد المرضى الذين تم إجلاؤهم عبر رفح منذ إعادة فتحه بلغ 211 مريضاً فقط.
خامساً: الخط الأصفر
وفقاً لبنود الاتفاقية، سيبقى الاحتلال الإسرائيلي مسيطر على نحو 58% من مساحة قطاع غزة خلف ما عُرف بـ”الخط الأصفر”.
ولكن بعد أشهر من الهدنة، كشف تحقيق The Guardian بتاريخ 22/4/2026 استناداً إلى صور أقمار صناعية وتحليل Forensic Architecture أن الخط الأصفر لم يبق ثابتا، بل تحرك غرباً في عدة مناطق، وأن الاحتلال الاسرائيلي وسع منطقة سيطرته من النسبة الأصلية إلى نحو 58% بحلول كانون الاول 2025 ثم واصلت قوات الاحتلال التقدم بعد ذلك، وسيطر على 70% من مساحة قطاع غزة بحلول حزيران 2026.
قال الكاتب والباحث السياسي المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور أبو كريم لمرصد كاشف أن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي تفرضه إسرائيل داخل قطاع غزة تحول إلى الأداة الرئيسية للضغط العسكري والسياسي على الفلسطينيين، مؤكدا أن مساحته توسعت بشكل كبير منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، ليشمل أكثر من 70% من مساحة القطاع، مقارنة بنحو 55% فقط عند إعلان الاتفاق.
وأوضح أبو كريم لمرصد كاشف، أن الخط الأصفر يمثل حدودا ميدانية تفرضها قوات الاحتلال، وكلما جرى دفعه باتجاه الغرب أُجبر السكان على النزوح من المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية إلى مساحات أكثر ضيقا، ما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية داخل القطاع.
وأضاف أن التطور الأخطر تمثل في تجاوز هذا الخط لشارع صلاح الدين، وهو الشريان الرئيسي الذي يربط شمال قطاع غزة بجنوبه ويقسمه إلى قسمين شرقي وغربي، وذلك في منطقة الزيتون جنوب مدينة غزة.
واعتبر أن هذا التقدم يعكس اتجاها إسرائيليا نحو فرض سيطرة أوسع على الأرض ودفع السكان إلى التكدس في مناطق غرب القطاع، لا سيما منطقة المواصي وغرب دير البلح وخان يونس، وهي مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية وكانت في الأصل أراضي زراعية.
وفي معرض شرحه للتغيرات الجغرافية، أوضح أن التوسع شمل المناطق الشمالية والشرقية من قطاع غزة، إضافة إلى المناطق الشرقية لمحافظتي خان يونس والوسطى. وقال إن الاحتلال كان قد سيطر قبل وقف إطلاق النار على مدينة رفح بالكامل ومعظم شمال القطاع، بينما تقلصت المساحات المتبقية إلى أجزاء من مدينة غزة وخان يونس والمحافظة الوسطى، إلا أن التوسع الأخير ابتلع أجزاء واسعة من هذه المناطق أيضاً، الأمر الذي أدى إلى موجات نزوح جديدة وتكدس السكان في مخيمات ومناطق الإيواء داخل منطقة المواصي.
وأكد أبو كريم أن هذه التحركات الميدانية تعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية في المفاوضات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة وترتيبات ما بعد الحرب.
خلاصة التحقق:
بعد ثمانية أشهر من إعلان ترامب أن “الحرب انتهت”، تظهر الوقائع الموثقة من الأمم المتحدة والجهات الرسمية عكس ذلك.
فالغارات والعمليات العسكرية لم تتوقف بشكل كامل، وسقوط الضحايا استمر، والقيود على المساعدات بقيت قائمة، ومعبر رفح لم يعمل بالصيغة التي نصت عليها الخطة الأميركية، كما ظل آلاف المرضى ينتظرون فرصاً للعلاج خارج القطاع، واستمر الاحتلال الاسرائيلي في توسيع الخط الأصفر واحتلال المزيد من الأراضي.
وبناءً على ذلك، فإن وصف الحرب بأنها “انتهت” أو أن “السلام تحقق” لا ينسجم مع الوقائع الميدانية والتقارير الأممية الموثقة خلال الأشهر التي تلت الاتفاق، ما يجعل هذه التصريحات مضللة وفق منهجية التحقق القائمة على مقارنة الادعاءات بالحقائق المثبتة.
تأثير التضليل على التغطية الإعلامية
تواصل مرصد كاشف مع المختص في الإعلام الغربي ولمحاضر في جامعة تورنتو ميتروبوليتان الكندية، وليد بطراوي، الذي قال إن تراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عن طبيعة الأجندة التي تحكم التغطية الإخبارية العالمية، مشيراً إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها أن الحرب انتهت، إلى جانب الحديث المتكرر عن وقف إطلاق النار والهدنة وخطط إعادة الإعمار، ساهمت في نقل اهتمام وسائل الإعلام بعيداً عن استمرار القتل والدمار على الأرض.
وأوضح بطراوي أن وكالات الأنباء الكبرى، وفي مقدمتها رويترز وأسوشيتد برس ووكالة الصحافة الفرنسية، تلعب دورا محوريا في تحديد أجندة التغطية اليومية لوسائل الإعلام، باعتبار أن ما تنتجه هذه الوكالات من أخبار ومعلومات يشكل مصدراً أساسياً لوسائل الإعلام حول العالم.
وأشار بطراوي إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة أدى إلى تعتيم إعلامي كبير على حقيقة ما يحدث داخل القطاع، خصوصاً في ظل صعوبة وصول الصحفيين المستقلين إلى المناطق التي تشهد القصف والقتل والدمار.
وقال إن هذا المنع ترافق مع انتشار معلومات مضللة أو غير دقيقة مرتبطة بوقف إطلاق النار، موضحاً أن الإعلان عن هدنة أو وقف للحرب أصبح في حد ذاته موضوعاً رئيسياً على الأجندة الإعلامية، بينما تراجعت التغطية المتعلقة باستمرار الحرب فعليا على الأرض.
وأضاف أن الحديث الإعلامي خلال الفترة الماضية انشغل بقضايا مثل وقف إطلاق النار والخط الأصفر والترتيبات السياسية المرتبطة بالهدنة، فيما جرى، بحسب تقديره، تجاهل استمرار القتل والدمار في قطاع غزة.
“الحرب انتهت”.. تصريح سياسي يغيّر الأجندة الإعلامية
ويرى بطراوي أن تصريحات ترامب لعبت دوراً مهماً في إعادة تشكيل الاهتمام الإعلامي، خصوصاً عندما يعلن الرئيس الأميركي بنفسه انتهاء الحرب أو يتحدث عن هدنة أو اتفاق أو ترتيبات سياسية جديدة.
وقال إن الإعلام بطبيعته يتعامل مع تصريحات رئيس الولايات المتحدة باعتبارها أحداثاً ذات أهمية عالمية، ما يجعل الأنظار تتجه فوراً إلى ما يقوله ترامب وما سيحدث بعد تصريحاته، حتى في الوقت الذي تستمر فيه الوقائع الميدانية التي يفترض أن تكون محور التغطية.
وبحسب بطراوي، فإن إعلان ترامب أن “الحرب انتهت” يمكن أن يترك أثرا مباشرا على طبيعة التغطية، لأن الرسالة التي تصل إلى الجمهور الدولي هي أن مرحلة الحرب أصبحت خلفنا، وبالتالي يبدأ الاهتمام بالتراجع تدريجيا، حتى لو كانت الوقائع على الأرض لا تتطابق بالضرورة مع هذا التصور.
الرواية الإسرائيلية.. “إسرائيل لم تعد موجودة في غزة”
وأشار بطراوي إلى وجود ما وصفها بـ”ماكينة إعلامية إسرائيلية” تعمل على التأثير في الرواية التي تصل إلى الجمهور العالمي، من خلال التركيز على أن إسرائيل لم تعد موجودة في قطاع غزة، وأن العمليات الإسرائيلية تستهدف ما تصفه إسرائيل بـ”البؤر الإرهابية”.
وقال إن إسرائيل، من خلال هذه الرواية، تحاول إعادة توجيه البوصلة بعيدا عن حقيقة ما يجري في القطاع، معتبرا أن المعركة لا تجري على الأرض فقط، وإنما أيضاً على مستوى الصورة والرواية الإعلامية.
ولفت إلى أن اهتمام وسائل الإعلام الدولية بدأ في الوقت نفسه بالانتقال بصورة أكبر إلى ما يحدث في الضفة الغربية، الأمر الذي ساهم، برأيه، في تراجع مساحة التغطية المخصصة لغزة.
من الحرب إلى إعادة الإعمار.. “القصة التي تريدها إسرائيل وترامب”
ويرى بطراوي أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولا أكبر في طبيعة التغطية الإعلامية، خصوصا مع بدء الحديث العملي عن إعادة إعمار قطاع غزة.
وقال إنه يتوقع أنه “بمجرد أن يتم وضع أول حجر في إعادة البناء في قطاع غزة، سيسمح للصحفيين الأجانب بالدخول”، لأن القصة الإعلامية ستنتقل حينها من الحرب والدمار إلى إعادة الإعمار.
وبحسب بطراوي، فإن التركيز على إعادة الإعمار هو الموضوع الذي تريده الإدارة الأميركية وإسرائيل، لأنه ينقل الاهتمام من سؤال: ماذا حدث وكيف وصل القطاع إلى هذا الدمار؟ إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية إعادة البناء وما هي المشاريع والخطط التي ستنفذ في القطاع.
بين التصريح والواقع.. من يحدد ما يراه العالم عن غزة؟
ويخلص بطراوي إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية التغطية الإعلامية لغزة، وإنما أيضاً بمن يحدد أجندة هذه التغطية، وما هي القضايا التي توضع في مقدمة المشهد وما هي القضايا التي تتراجع إلى الخلف.
ففي الوقت الذي تستمر فيه تداعيات الحرب والدمار والقتل، يمكن لتصريح سياسي واحد، خصوصا إذا صدر عن الرئيس الأميركي، أن ينقل اهتمام وسائل الإعلام العالمية إلى مسار مختلف تماماً. وبين منع الصحفيين من الوصول إلى القطاع، وتأثير وكالات الأنباء الكبرى، والرواية الإسرائيلية، والتصريحات الأميركية حول التوصل الى السلام ووقف إطلاق النار، والانتقال المتوقع نحو ملف إعادة الإعمار، تبدو معركة غزة الإعلامية، وفق بطراوي، معركة على من يملك القدرة على تحديد القصة التي يراها العالم، وليس فقط على نقل ما يحدث على الأرض.
محمد دراغمة لمرصد كاشف: الحروب الإقليمية “تسرق” اهتمام الإعلام العالمي
كما سأل مرصد كاشف الخبير الإعلامي محمد دراغمة حول تراجع الاهتمام العالمي بقطاع غزة وأثر تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب على هذا التراجع، والتي ادعى فيها أن الحرب انتهت.
وقال دراغمة إن “الاهتمام الإعلامي العالمي بقطاع غزة تراجع بشكل كبير منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في شهر تشرين الأول 2025، في ظل انتقال بؤرة اهتمام وسائل الإعلام الدولية إلى أزمات وصراعات أخرى، أبرزها الحرب على إيران والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز والتجارة العالمية”.
وأضاف دراغمة: طبيعة العمل الصحفي تقوم في جزء أساسي منها على قاعدة مفادها أن “النزيف يتصدر الأخبار”، باعتبار أن تهديد حياة البشر ومصالحهم يدفع القضايا إلى صدارة التغطية الإعلامية، مشيرا إلى أن الحرب على إيران وما يرتبط بها من تداعيات على النفط وأسعار الوقود أصبحت أكثر تأثيرا في حياة الناس، وبالتالي أكثر حضورا في أجندة الإعلام العالمي.
وأشار دراغمة إلى أن غزة كانت خلال فترة الحرب في صدارة الأخبار اليومية، لكن إعلان الرئيس الأمريكي ترامب وقف إطلاق النار أدى إلى تراجعها عن واجهة التغطية، رغم استمرار الاغتيالات والتصفية والقيود والمضايقات ومعاناة السكان.
وتابع: هذه التطورات ووفقا لمنطق غرف الأخبار، لم تعد تُصنف باعتبارها “القصة الأولى” في ظل وجود حروب وأزمات أكثر سخونة على المستوى الدولي.
ورأى دراغمة أن أزمات مثل الحرب على إيران وإغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز والتنافس بين الصين والولايات المتحدة تتقدم حالياً في سلم الأولويات الإعلامية، لأنها، بحسب تقديره، ترتبط بتغييرات محتملة في موازين القوى العالمية والتجارة الدولية والتحالفات.
تأثير الحقيقة الوهمية
قالت الأخصائية النفسية والاجتماعية ضحى رضوان لمرصد كاشف إن الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشكل نموذجا مهما لدراسة آليات التأثير في الرأي العام من منظور علم النفس وعلم الاجتماع، موضحة أن القضية لا تتعلق بتأييد أو معارضة شخصية سياسية، بل بفهم الكيفية التي تؤثر بها الرسائل السياسية في إدراك الجمهور.
وأضافت أن السؤال الأهم ليس لماذا تُطلق بعض التصريحات التي ثبت عدم دقتها، وإنما لماذا يصدقها الناس، مشيرة إلى أن علم النفس يفسر ذلك بما يعرف بـ”تأثير الحقيقة الوهمية”، حيث يميل العقل البشري إلى اعتبار المعلومات المكررة أكثر مصداقية لمجرد تكرارها، حتى وإن كانت الأدلة تنفيها.
وأوضحت رضوان أن الخطاب السياسي الذي يعتمد على إثارة الخوف والغضب والشعور بالتهديد يحقق تأثيرا أكبر من الخطاب القائم على الحقائق والأرقام، لأن الانفعالات القوية تقلل التفكير النقدي وتدفع الأفراد إلى اتخاذ مواقف سريعة قائمة على المشاعر.
وأضافت أن وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف هذا التأثير من خلال خوارزميات تعرض للمستخدم محتوى يتوافق مع ميوله، ما يضعه داخل “غرف صدى” يسمع فيها الرأي نفسه باستمرار، فيزداد اقتناعا بأنه الحقيقة الوحيدة.
وأضافت أن “التنافر المعرفي” يدفع بعض الأفراد إلى رفض الأدلة أو التشكيك في مصادرها عندما تتعارض مع قناعاتهم، وهو ما يجعل تصحيح المعلومات لا يؤدي دائما إلى تغيير المواقف، بل قد يزيد التمسك بها.
وأكدت رضوان أن ما يميز استراتيجية ترامب الاتصالية هو توظيف أدوات نفسية واجتماعية متكاملة، تشمل التكرار، واستثارة الانفعالات، وتعزيز الهوية الجماعية، وإضعاف الثقة بالمصادر المنافسة، مشددة على أن هذه الأدوات ليست حكرا على ترامب، بل يمكن أن يستخدمها أي قائد أو حزب أو جهة سياسية.
وختمت بالقول إن أخطر أشكال التضليل لا تكمن في إخفاء الحقيقة فقط، بل في إقناع الجمهور بأنه يمتلك الحقيقة كاملة، بينما يتفاعل في الواقع مع رواية صُممت بعناية لتوجيه الرأي العام، وهو ما يجعل التأثير في الإدراك أحيانا أقوى من تأثير الوقائع نفسها.