لم تكن جامعة إب، إحدى أبرز الجامعات الحكومية في وسط اليمن، تحتاج في سنوات ما قبل الحرب إلا إلى أسابيع محدودة لاستقبال طلبات القبول والتسجيل، وسط إقبال واسع من خريجي الثانوية العامة، لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا تماما، إذ تحولت فترة التسجيل إلى موسم مفتوح يمتد لأشهر، في مؤشر يعكس حجم التراجع الذي أصاب التعليم الجامعي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
فمنذ إعلان الجامعة، في 6 أبريل/نيسان 2026، فتح باب القبول للعام الجامعي 2026-2027، لا تزال عملية التسجيل مستمرة في عدد من الكليات والأقسام حتى أغسطس/آب الجاري، بعد أن تُركت فترة القبول مفتوحة من دون موعد نهائي واضح.
وقالت مصادر أكاديمية مطلعة لـ"الصحوة نت" إن عملية التسجيل جاءت ضعيفة بصورة صادمة منذ انطلاقها، إذ لم تتجاوز أعداد المتقدمين في بعض الأقسام أصابع اليد الواحدة، بينما ظلت كليات وأقسام أخرى عاجزة عن استكمال الحد الأدنى المطلوب لبدء الدراسة.
وأضافت المصادر أن إدارة الجامعة لجأت إلى تمديد فترات التسجيل مرارا، غير أن ذلك لم يغيّر كثيرا من واقع الإقبال الضعيف، الذي ظل يتحرك ببطء شديد، في أزمة لا تقتصر على جامعة إب وحدها، بل تمتد إلى مؤسسات التعليم العالي في مناطق سيطرة الحوثيين.
تخفيض معدلات القبول
ومع استمرار العزوف، لجأت الجامعة، كما فعلت جامعات حكومية وأهلية أخرى، إلى خفض معدلات القبول في عدد من الكليات والأقسام، في محاولة لاستقطاب مزيد من الطلاب.
وتُظهر جداول القبول المنشورة في موقع الجامعة للعام الدراسي 2026-2027 حجم الأزمة بوضوح، فكلية الطب، التي كانت تشترط في السابق معدلًا لا يقل عن 85% في الثانوية العامة، بات بإمكان الطالب التقدم إلى بعض برامجها بمعدلات تتراوح بين 65 و67%، بحسب نظام القبول المعلن.
أما كلية الهندسة، التي كانت من أكثر الكليات استقطابا وتشترط معدلات مرتفعة لا تقل غالبا عن 80%، فقد انخفضت معدلات القبول فيها إلى نحو 65% في عدد من التخصصات.
وبحسب الجداول المعلنة، يستطيع الطالب الحاصل على معدل 55% التسجيل في معظم أقسام كلية التربية، وعدد من تخصصات العلوم الإدارية، والزراعة وعلوم الأغذية، والآداب، والحاسبات والعلوم التطبيقية، والقانون، إضافة إلى كليات فرعية في مديريتي النادرة والسدة.
وتقول مصادر أكاديمية إن هذا الانخفاض لا يعكس تسهيلا عاديا للقبول، بقدر ما يكشف تراجعا حادا في أعداد الطلاب الراغبين في الالتحاق بالجامعة، خصوصا في الأقسام النظرية والتربوية والعلمية.
أدنى إقبال منذ التأسيس
منذ تأسيس جامعة إب بقرار جمهوري عام 1996، لم تشهد الجامعة تراجعا في الإقبال على هذا النحو، وفق مصادر أكاديمية وطلابية تحدثت لـ"الصحوة نت".
وتشير المصادر إلى أن عشرات الأقسام باتت مهددة بالإغلاق نتيجة ضعف التسجيل، في سابقة غير معهودة منذ نحو ثلاثة عقود من إنشاء الجامعة.
ومؤخرا، لجأت إدارة الجامعة إلى إجراء جديد، إذ أعلنت قبول تسجيل خريجي الثانوية العامة لهذا العام حتى من دون وثائق الشهادة، مكتفية بإفادة من مكتب التربية في المحافظة بنتيجة الطالب، في خطوة قالت مصادر جامعية إنها لم تكن متبعة سابقا.
وقال الطالب محمد البعداني إن جامعة إب لم تشهد من قبل ضعفا مماثلا في الإقبال على القبول والتسجيل، معتبرا أن ما يحدث يعكس انهيارا خطيرا في التعليم الجامعي، الذي يُفترض أن يكون رافعة لبناء الإنسان والتنمية.
وأضاف أن الجامعة التي كانت تضم آلاف الطلاب في مختلف كلياتها وأقسامها، بات الحضور فيها محدودا في عدد قليل من التخصصات الطبية والهندسية والمحاسبة وتقنية المعلومات وعلوم الحاسوب والقانون، بينما تواجه غالبية الأقسام خطر الإغلاق.
الطب والهندسة
وتعد كلية الطب والعلوم الصحية من الكليات القليلة التي أغلقت باب التسجيل في نظام التعليم العام، غير أنها تواصل إعلان أسماء المقبولين في نظام التعليم الموازي والنفقة الخاصة، نتيجة عدم حضور عدد من المقبولين سابقا لاستكمال إجراءاتهم.
أما كلية الهندسة، التي كانت في المرتبة الثانية بعد الطب من حيث رغبات الطلاب، فقد شهدت تراجعا لافتا في الإقبال، ففي سنوات سابقة، كان عدد المتقدمين لاختبارات القبول يتراوح بين ألفين و3 آلاف طالب، غير أن الكلية خلال السنوات الأخيرة بدأت تقبل طلابا في بعض التخصصات من دون اختبار قبول، بسبب قلة المتقدمين.
وخلال العام الجاري، أجرت الكلية اختبار قبول في 3 أقسام فقط من أصل 5 أقسام مفتوحة، هي: الهندسة المدنية، والهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي. ووفق المصادر، حضر قرابة 220 طالبا وطالبة للاختبار، مقابل طاقة استيعابية معلنة تبلغ 190 مقعدا، ما يجعل فرص القبول مرتفعة لغالبية المتقدمين.
أقسام مهددة بالإغلاق
وتؤكد مصادر أكاديمية أن إغلاق أكثر من 30 قسما دراسيا بات شبه محسوم، في ضوء الأعداد المسجلة حتى الآن، وتبرز كلية التربية في مقدمة الكليات المتضررة، بعدما أعلنت فتح 14 قسما بطاقة استيعابية تصل إلى 3875 طالبا وطالبة، غير أن إجمالي المسجلين لم يتجاوز 76 طالبا وطالبة، بينهم 43 في قسم تكنولوجيا التعليم، و14 في قسم اللغة الإنجليزية، و19 موزعين على 12 قسمًا آخر، وفق مصادر أكاديمية فضلت عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية.
وفي كلية العلوم التطبيقية والتربوية بمدينة النادرة، أعلنت الجامعة فتح 10 أقسام بطاقة استيعابية تبلغ 555 طالبًا وطالبة، غير أن عدد المسجلين ظل محدودا للغاية.
وبحسب مصادر أكاديمية، لم يتقدم لأي من تخصصات الرياضيات واللغة العربية واللغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء والدراسات الإسلامية والقرآن الكريم والمختبرات أي طالب، فيما سجل 5 طلاب فقط في قسم تقنية المعلومات، وطالب واحد في قسم معلم حاسوب.
وفي مديرية السدة، أعلنت الكلية النوعية فتح قسمي المحاسبة وإدارة الأعمال بطاقة استيعابية تبلغ 600 طالب وطالبة، لكنها لم تسجل أي طالب حتى الآن، ما يجعل استمرارها خلال العام الجامعي الجديد غير ممكن، وفق المصادر.
كليات بإقبال محدود
في كلية الآداب، أعلنت الجامعة فتح 6 أقسام بطاقة استيعابية تصل إلى 1200 طالب وطالبة، غير أن عدد المسجلين لم يتجاوز 57 طالبا وطالبة، توزعوا على قسم اللغة الإنجليزية بـ39 طالبًا وطالبة، وعلوم القرآن بـ17 طالبًا، وطالب واحد فقط في قسم الدراسات العربية، ما يعني أن أقسام علم الاجتماع والجغرافيا والتاريخ والدراسات العربية مهددة بالإغلاق.
وفي كلية القانون، التي أعلنت طاقة استيعابية تبلغ 600 مقعد، لم يتجاوز عدد المسجلين 90 طالبا وطالبة.
أما كلية الزراعة وعلوم الأغذية، فرغم إعلانها امتيازات لجذب الطلاب، بينها السكن المجاني والإعفاء من رسوم الأنشطة، لم يسجل فيها سوى 12 طالبًا وطالبة، مقابل طاقة استيعابية تبلغ 300 مقعد.
وفي كلية العلوم الإدارية، فتحت الجامعة 5 أقسام بطاقة استيعابية تبلغ 1285 مقعدا، غير أن 3 أقسام تواجه خطر الإغلاق: السياحة والفندقة التي سجل فيها طالب واحد فقط، والإدارة العامة التي سجل فيها 7 طلاب، والعلوم المالية والمصرفية التي سجل فيها 10 طلاب. في المقابل، سجل في قسم المحاسبة 256 طالبًا وطالبة، وفي إدارة الأعمال 95 طالبًا وطالبة.
أما كلية العلوم والحاسبات، فأعلنت فتح 13 قسما بطاقة استيعابية تبلغ 935 مقعدًا، غير أن 8 أقسام منها مهددة بالإغلاق، في حين شهدت تخصصات علوم الحاسوب وتقنية المعلومات إقبالا أعلى، بتسجيل 201 طالب وطالبة، إلى جانب إقبال محدود في قسمي الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
تعليم جامعي على حافة الانكماش
وتعكس هذه المؤشرات، وفق أكاديميين، أزمة أعمق من مجرد ضعف مؤقت في التسجيل، إذ تكشف تآكل قدرة التعليم الجامعي على استقطاب الطلاب، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، وتراجع الثقة بمخرجات الجامعات، واتساع آثار الحرب التي شنتها مليشيا الحوثي على اليمنيين.
ويرى أكاديميون أن استمرار هذا الوضع يهدد بتحويل عدد من كليات وأقسام جامعة إب إلى هياكل جامدة بلا طلاب، ويفتح الباب أمام انكماش خطير في التعليم العالي، ستكون كلفته الأكبر على جيل كامل من الشباب اليمني.