ستون مجلة "أفكار" الأردنية
Arab
4 days ago
share
هل يقمع مفهوم الالتزام الأدب، سواء كان منهجياً أم اجتماعياً أم سياسياً؟ سؤالٌ يختصر مقالاً نشره الكاتب والفنان التشكيلي السوري إسكندر لوقا، في العدد الخامس لمجلة أفكار عام 1966 وناقش فيه ماهية الأدب الملتزم، لكنه يتخذ أبعاداً أوسع، إذ يشير إلى هموم المثقفين العرب خلال حقبة تضمنت تطلعات حداثوية اجتماعية وثقافية سبقت هزيمة 1967. ظهور "أفكار" في هذه الحقبة، يتقاطع إلى جانب كونه لحظة تأسيسية لأحد الأطر الثقافية المؤسسية الأردنية، مع المناخات التي وفرتها المجلات العربية آنذاك، إذ لم تعد مجرد أدوات لتعميم المعرفة ونشر الجديد بخصوص الكتب والنقد فقط، إذ شكلت ملاذاً للكتّاب والفنانين الذين تعكس أفكارهم صراعات أيديولوجية سياسية وأدبية، أو تساؤلات شغلت المشهد الثقافي لعقود، منها الصراع بين الحداثة والتقليد، ومستقبل الفن والشعر، وعلاقة الراهن السياسي بالتاريخ، وغيرها من موضوعات يمكن قراءتها في الأعداد الأولى من مجلة أفكار.  هذه الموضوعات، تكشف للقارئ العربي أيضاً، تاريخ مجموعة من المثقفين والشعراء والأدباء الذين ظهرت أسماؤهم ورؤاهم الأدبية والفكرية في المجلة التي أتاحت صفحاتها لمختلف الكتاب العرب والمحليين، ومنهم أدونيس الذي قدم بعض تطلعاته التحديثية من خلالها، والمؤرخ الأردني سليمان الموسى، الذي كتَب مواضيع من أبرزها الرؤية النضالية والتضحية لأجل الوطن من خلال شخصية المناضل والسياسي أحمد مريود، والروائي السوري حنا مينه، وقصص الكاتب المصري يوسف القعيد، ويبرز كذلك اسم الروائي الأردني تيسير السبول، الذي أسهم في تحرير المجلة إلى جانب الكاتب والمترجم فايز الصياغ وآخرين، كما استكشف القراء لوحات فنانين عرب وعالميين. تواجه تحديات تتمثل في ضعف التوزيع والتحول الرقمي يكشف البحث في تاريخ المجلة، أن الجدال السياسي والاجتماعي الذي رافق أحداث السبعينيات والثمانينيات عربياً، وانعكس في المسرح والسينما، يحضر أيضاً من خلال الأدب والفن في أعداد المجلة التي صدرت خلال تلك الفترة، عبر موضوعات وملفات عدة، مثل ماهية الثقافة الصهيونية، وأهمية اللغة العربية ضمن التطلعات القومية، وملفات ودراسات أخرى ناقشت معظم المواضيع الاجتماعية والأدبية الراهنة، مثل الانفتاح الثقافي والاقتصادي، مما جعل المجلة جزءاً من الرصد والتحليل والمشاركة في الهم العام، من خلال انتماءات المثقفين المحليين والعرب السياسية والفكرية، التي عكستها مشاركاتهم في المجلة. استقرت "أفكار" مطبوعة تصدر عن وزارة الثقافة الأردنية، وباتت صفحاتها تستعمل الورق المصقول، وتصميماً مميزاً من حيث ضبط الألوان ونوع الخط وحجمه في النصوص والعناوين، إلى جانب لوحات فنية تعبر عن المواضيع، وواكبت أهم الأحداث الثقافية والأدبية خلال مختلف المراحل وصولاً إلى اليوم، إذ ظهرت تحديات جديدة في ظل تراجع حضور المجلات عربياً وعالمياً، بعد أن كانت مصدراً ثقافياً أساسياً للقراء والأدباء.   وفي عصر الرقمنة والسرعة، لم تعد التحديات الجديدة تنحصر في المحتوى فقط، بل تتعلق بآليات الوصول والانتشار وعوامل تقنية وتسويقية، فالمجلة تعاني مشكلة في التوزيع خارج الأردن بعد أن كانت تصل سابقاً إلى المكتبات العربية، واليوم، أصبح الحصول على نسخة ورقية منها صعباً، لأن توزيعها يقتصر على الفعاليات الرسمية أو الإهداءات. ويُعد التوزيع من أضعف حلقات المجلة، وهو ما يجعلها تبدو كأنها تخاطب وسط الكتّاب الأردنيين. تفتقر المجلة إلى منصة رقمية حديثة تواكب التطور الحالي، رغم أنه تتوفر مجموعة من أعدادها القديمة والحديثة إلكترونياً عبر منصة "الكُتبا" التابعة لوزارة الثقافة الأردنية، إلا أن توجهات القراء الجدد أصبحت تتناسب أكثر مع مقالات قابلة للمشاركة والوصول بسهولة مثلاً، والصيغة الموجودة المتمثلة في ملفات (PDF) على موقع الوزارة لا تمنح المرونة الكافية لهؤلاء القراء وغيرهم ممن يمكن لهم الإسهام في نشر موضوعات المجلة بصورة أوسع عبر تبادل المحتوى ووسائل التواصل الاجتماعي.  وخلال الأعوام الأخيرة، أسهمت زيادة نسبة الكتاب المحليين على حساب الأسماء التي تميزت بها المجلة خلال عقودها الأولى في قلة انتشارها، وربما يعود هذا الأمر إلى تغير بيئة النشر العربية، إذ لم يعد معظم الكتاب يحصرون نتاجهم في مجلات حكومية تصل إلى عدد محدود من القراء. إن مسائل مثل التمويل الكافي وفتح المجال لمشاركات أوسع، وتوفير الانتشار اللازم لأعداد المجلة سواء ورقياً أو رقمياً، يشكل محوراً في الأغلب من أجل استمرار أفكار في دورها الثقافي الرائد الذي أُسِّست لأجله، وفي ظل غياب أو إغلاق مجلات وصحف عدة خلال الأعوام الأخيرة، يبقى إيجاد حلول لمسألة التوزيع من خلال التعاون مع دور نشر محلية أو عربية تتولى مهمة الشحن والبيع التجاري لضمان وجود المجلة في دول أخرى هو الخيار الممكن.  ستة عقود على تأسيس مجلة "أفكار"، التي مرت بتحولات ثقافية طوال مسيرة تأثرت بالمشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي، وأبرزت كتاباً وأدباء أردنيين وعرب قدموا إبداعاتهم وطموحاتهم وآراءهم من خلالها. واليوم، بتاريخها الطويل، تنتظرها تحديات عدة منها الانخراط في تقنيات العصر، وإتاحة مجال أكبر للانتشار العربي، وتقديم موضوعات تجذب مختلف القراء من الجيل الجديد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows