Arab
يروي مهاجرون في إسبانيا كيف يتحوّل السكن من حقّ أساسي إلى معركة يومية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية بالأحكام المُسبقة والصور النمطية، حيث يصارعون برفقة عائلاتهم للعثور على شقة تضمن لهم حياة كريمة، قبل أن تتبدّد آمالهم تحت ذريعة أعذار مُبهمة أو تجاهل متعمّد لطلباتهم يكرّس العزل والتفاوت الاجتماعي.
لم يكن المواطن السوري سعيد المصري يتوقع أن تكون رحلة البحث عن منزل في مدريد أصعب من رحلة اللجوء نفسها. وصلت عائلة المصري إلى العاصمة الإسبانية في عام 2019 بعد رحلة طويلة هرباً من نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، حاملةً معها أملاً ببداية جديدة، كما يروي سعيد لـ"العربي الجديد". في الأشهر الأولى، كان التحدي الأكبر هو الاستقرار، والعثور على سقفٍ يحميه برفقة زوجته وأطفاله الثلاثة. وبعد بحثٍ طويل، عثر على شقة بَدَت مناسبة.
يُخبر أنّه ذهب في المرة الأولى بمفرده لمقابلة صاحب المنزل، وكان اللقاء إيجابياً. ويقول: "تحدّثنا بشكل عادي، وأبدى المالك موافقة مبدئية، وقال إنّ الأمور تبدو جيدة"، لكن اللقاء الثاني غيّر كل شيء. عاد سعيد لرؤية البيت برفقة زوجته التي ترتدي الحجاب وأطفاله. ويكشف أنّه منذ اللحظة الأولى شعر بأن شيئاً تغيّر. بدأ صاحب المنزل يتردّد، ثم قال إنّ هناك مشكلة، وإنّ الشقة قد لا تكون متاحة، وإنّه لم يكن يتوقع أطفالاً، مع العلم أنّه أخبره بأنّه أب لطفلٍ وابنتين، بحسب روايته. تحوّلت الموافقة إلى سلسلة من الأعذار غير المقنعة. بعد أشهرٍ، عرف سعيد أنّ صاحب الشقة أجّرها لعائلة أوكرانية. لم يكن سعيد يعرف السبب في البداية، ولكنّه عرف لاحقاً أن السبب لم يكن الوضع المالي أو الأوراق أو حتى الأطفال.
أول غرامة بحقّ وكالة عقارية
ليست قصة سعيد استثناءً. ففي مدنٍ إسبانية عدّة، تتكرر شكاوى الأجانب من صعوبات غير مُعلنة في الوصول إلى السكن. وتُراوح هذه الممارسات بين تجاهل الطلبات من قبل وكالات العقارات، ورفض غير مباشر، وصولاً إلى تمييز صريح على أساس الاسم أو الأصل أو المظهر. وقد تكون أبرز هذه الحالات، قضية شاب مغربي في مدينة ماتارو بمقاطعة برشلونة، التي تحوّلت إلى سابقة قانونية مهمة. كان الشاب يعمل في شركة متعدّدة الجنسيات ويتقاضى راتباً مستقراً، وقرّر أن يبحث عن شقة أكبر. بعد أن تقدّم بطلب لزيارة أحد العقارات، أُبلغ سريعاً بأن الشقة "لم تعد متاحة".
غير أنه شكّ في الأمر، فلجأ إلى حِيلةٍ بسيطة، إذ طلب من زملاء عملٍ يحملون أسماءً كتالونية الاستفسار عن الشقة نفسها. النتيجة كانت صادمة، الشقة لا تزال متاحة، وحُدّد موعد زيارة لهم. وعندما حضر هو بنفسه إلى الموعد، طالب بتفسير. فجاءه ردّ من وكالة العقار يتضمن تناقضاً لافتاً؛ الإقرار الضمني بالتمييز، مع محاولة تبريره بكون العقار "محجوزاً".
قرّر الشاب المغربي رفع دعوى بحقّ الوكالة العقارية، وبعد سجال طويل، وأخيراً في يناير/ كانون الثاني الفائت فرضت حكومة إقليم كتالونيا، لأول مرة، غرامة قدرها 10 آلاف يورو على الوكالة العقارية المعنية، معتبرةً أن ما حدث يشكّل تمييزاً واضحاً في الوصول إلى السكن على أساس الأصل العرقي. كذلك مُنعت الوكالة من التعاقد مع الإدارة العامة لمدة عام.
تكتسب قضية الشاب المغربي أهمية خاصة في إسبانيا، لأنها من أوائل العقوبات التي تُطبّق بموجب القانون الكتالوني لمكافحة التمييز، الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2020، ويمنح السلطات صلاحيات لمعاقبة مثل هذه الممارسات. ورغم ذلك، فإنّ الطريق نحو هذه النتيجة لم يكن سهلاً. فقد اضطرّ الشاب المغربي إلى تقديم 13 شكوى ضد وكالات مختلفة، قبل أن ينجح أخيراً، بدعم من منظماتٍ غير حكومية من إثبات قضيته وربحها أمام القضاء الإسباني.
الإطار القانوني بين النصّ والتطبيق
تُعدّ إسبانيا، نظرياً، من الدول التي تمتلك إطاراً قانونياً متقدماً لمكافحة التمييز. فالقانون يضمن المساواة في الوصول إلى السكن، ويُجرّم التمييز على أساس العرق أو الدين أو الأصل. لكن التحدي الأكبر يكمن في التطبيق. إذ إنّ كثيراً من حالات التمييز تحدث بشكل غير مباشر، من خلال أعذار مُبهمة أو تجاهل الطلبات، ما يجعل إثباتها قانونياً أمراً معقداً. كذلك إنّ الضحايا غالباً ما يفتقرون إلى المعرفة القانونية أو الموارد اللازمة لمتابعة قضاياهم.
وتتفاقم هذه الظاهرة في ظل أزمة سكن حادّة تعيشها المدن الأوروبية، ولا سيما إسبانيا، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار ونقص العرض إلى زيادة المنافسة على الشقق. في هذا السياق، يصبح التمييز أداةً غير معلنة لاختيار المستأجرين. تشير بيانات رسمية في إسبانيا إلى أنّ نحو %5.9 من الأشخاص يشعرون بأنّهم تعرّضوا للتمييز في أثناء البحث عن سكن، مع نسب أعلى بين الفئات المهاجرة أو المعرّضة للفقر. وأظهرت دراسات في إسبانيا أن الأسماء الأجنبية تقلل بشكل ملحوظ من فرص الحصول على ردود إيجابية من المالكين أو الوكالات العقارية. وفي حالاتٍ أخرى، يلعب المظهر دوراً حاسماً، كما حدث مع عائلة سعيد، حيث تحوّل الحجاب من خيار شخصي إلى عائق في سوقٍ يُفترض أنّه محكوم بالقانون.
قصصٌ متقاطعة
وصل حميد عبد الرزاق إلى مدريد مطلع العام الجاري، بحثاً عن فرصة عمل وحياة أكثر استقراراً، لكنّه سرعان ما اصطدم بواقع مختلف. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه أمضى أسابيع يتنقل بين الإعلانات ووكالات العقارات من دون أن يتمكن من استئجار غرفة أو شقة، رغم امتلاكه عقد عمل مؤقتاً وقدرته على دفع الإيجار. ويضيف: "في كثير من الأحيان كانوا يطلبون مني إرسال الأوراق، ثم يتوقفون عن الرد فور رؤية اسمي أو معرفة أنني مغربي". وفي مرات أخرى، كان يسمع أعذاراً متكررة عن أن الشقة "حُجزت للتو"، قبل أن يكتشف لاحقاً أنها لا تزال معروضة للإيجار.
ومع ارتفاع الأسعار في إسبانيا وصعوبة العثور على سكن، اضطرّ حميد في النهاية إلى مشاركة شقة صغيرة في أحد أحياء مدريد الشعبية مع خمسة شبّان آخرين من دول أفريقية مختلفة. ويقول: "لسنا مرتاحين، لكن لم يكن لديّ خيار آخر. أحياناً أشعر بأن المشكلة ليست في الأوراق أو المال، بل في كونك أجنبياً فقط". بالنسبة إليه، لم تعد أزمة السكن مرتبطة فقط بغلاء أسعار الإيجارات، بل أيضاً بالشعور الدائم بأنه غير مرحّب به، حتى قبل أن يحصل على فرصة حقيقية لتقديم نفسه.
تكشف تجارب سعيد وحميد وغيرهما في إسبانيا كيف يتحوّل السكن بالنسبة إلى كثير من المهاجرين في أوروبا من حقّ أساسي إلى معركة يومية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية بالأحكام المُسبقة والصور النمطية. وبينما تنجح بعض القضايا الفردية، مثل قضية الشاب المغربي في كتالونيا، في الوصول إلى المحاكم، تبقى حالات كثيرة غير مرئية، بسبب خوف الضحايا من التبعات أو عجزهم عن إثبات التمييز قانونياً.
وبين سعيد السوري وحميد المغربي، تتقاطع التجارب رغم اختلاف الخلفيات. كلاهما يملك القدرة المادية والرغبة في الاستقرار، لكنّهما يصطدمان بحواجز غير مرئية. هذه الحواجز لا تُكتب في العقود، لكنها تُمارس في الواقع اليومي، وتساهم في إعادة إنتاج التفاوت والعزل الاجتماعي داخل المدن.

Related News
البنتاغون يوقف نشر 4 آلاف جندي في أوروبا
alaraby ALjadeed
29 minutes ago