هشام العسري (1/ 2): "أحرص على صنع فيلم يفاجئني"
Arab
2 hours ago
share
  في "المطرود من رحمة الله"، يروي هشام العسري حكاية سيرج عام 1993، الذي يحلم بتأليف رواية رائجة، في فترة تدهور حالته المادية، بينما تستعد زوجته المغربية ماي (نادية كوندا) للإنجاب. نهاراً، يعمل موظف استقبال في فندق بباريس، وليلاً يكدّ على آلته الكاتبة. تنقلب حياته كلّياً عندما يأتي رحمان، الكاتب المثير، إلى الفندق للإقامة فيه، بعد صدور فتوى قتل بحقّه، مع وعد بمكافأة مالية مغرية لمنفّذها.   (*) لنبدأ بسؤال عن ارتباط معظم أفلامك بالواقع. فكرة هذا الفيلم مستوحاة من حدث واقعي، فتوى الإعدام التي أصدرها الخميني ضد سلمان رشدي. كيف جاءتك الفكرة؟ في الواقع، أردت صنع فيلم يكون امتداداً لبحثي الشخصي. أعتبر أن كل عمل نتيجة بحث، في مكان ما، أو تجربة شخصية، أو حياة فكرية. لذا، يحلّ، أقلّه بالنسبة إلي، مسألة تتعلق بصدمة شخصية. كلّ لأفلام التي صنعتها تتحدث عن المغرب في طفولتي، حتى "مرّوكية حارة" يتحدث عنها بنوع من الانفصال السحري، لأنه أخرجني من قواعدي ليتجه إلى شيء مختلف. في ما يتعلق بهذا الفيلم، كنت أستشعر العنف المحيط. لإعطاء سياق محدّد، بدأت العمل عليه قبل هجمات "شارلي إبدو" (7 يناير/كانون الثاني 2015 ـ المحرّر). في عشر سنوات، كنا نعتقد، منتجتي لمياء الشرايبي وأنا، أننا سنفوّت إلى حد ما ظاهرة العنف هذه. إلا أننا لا نزال اليوم بصدد دونالد ترامب، الذي يريد تصفية الجميع من أجل المال، أو إخفاء قضية إبستين، أو أي هراء آخر لا نعرفه. لا نزال نعيش في نوع من نهاية العالم، أو تحت تهديد "أبوكاليبس"، التي تعني أيضاً "الكشف": أي أن نختفي، لكننا سنتعلم شيئاً ما. أردت أن أستلهم من هذه القصة، المنسية إلى حد ما. عندما بدأت العمل على قضية سلمان رشدي بوصفها فكرة أولية، كان ذلك لتحويل مسارها إلى فيلم سوداوي ـ كوميديا سوداء، لأننا نسخر عن طريقها من أشياء كثيرة. لكن، في الوقت نفسه، أحاول الحثّ على إدراك أن العنف يصدر عندما نكون محاصرين. أبداً ليس لأنه نتاج دين. أبداً ليس لأن لدينا الخيار. وأبداً ليس لأن كل شيء على ما يرام. يمكن لأي شخص أن يكون إرهابياً عندما تنعدم أمامه الخيارات. داعش كانوا مرتزقة. أجد أنه من المثير للاهتمام أن أروي العنف والأصولية، لكن مع عكس الفرضية. عادة، تدور الأفلام حول الإرهاب في بلدان محدّدة، مع شخص ليس لديه خيار سوى أن يصبح سلفياً، ثم يُغسَل دماغه، فيفجّر نفسه. في ذلك نوع من المجاز السردي الذي لطالما أزعجني، لأنه يمثّل تبسيطاً لعملية اجتماعية أعقد بكثير. هذه طريقتي لتفكيك العالم عبر فكرة أن الأيديولوجية تُستغل لتصبح سلاحاً ضد الناس. في مرحلة ما، يُسيّس الأمر، وبالتالي يصبح محض مسرح. الأقنعة موجودة في الفيلم لتقول إننا في عالم مُمسرح، يحفّه التباهي والتمثيل. بالنسبة إلي، الأمر يتعلق بكيفية تجسيد كل ذلك في نص ضمني، يكون مقروءاً إلى حد ما، وغير كثيف كثيراً. لكن، في الوقت نفسه، ما أردت فعله، وربما هنا تكمن القطيعة بالنسبة إلي، العنف ضد نفسي بسرد قصة خطية.   (*) سيرج هامشي يبحث عن مكانه في العالم. لاحظت أنك تصوّره غالباً في ضوء خلفي باهر، مؤطّراً وسط فتحة نافذة، أو مصدر إضاءة. هل هذه إشارة إلى نقاء الصفحة البيضاء، أم طريقة للتعبير عن أنه شخص متّقدٌ في طور التكوين؟ أعتقد أن الصعوبة الحالية تكمن في كيفية إنتاج صُور لا يمكن إنشاؤها في وضع التشغيل التلقائي. بمعنى أننا أصبحنا جميعاً صانعي أفلام بواسطة هواتفنا. نبتكر، نُخرج، نُصوّر، نفهم التصوير الفوتوغرافي، ونفهم عدداً من الأمور المتعلّقة بصنع فيلم. ما يهمني ويشغلني بصفتي مخرجاً، وتشكيلياً أيضاً إلى حد ما، كيفية تقديم صُور لا يمكن استنساخها. أعتقد أنه يتعيّن علينا، عند نقطة معينة، أن نشتغل على حدود آلة التصوير بصفتها ماكينة. عندما بدأت التصوير، فرضت قيداً مُعقّداً للغاية على مدير التصوير. قلت له إن كل الإضاءة ينبغي أن تأتي من خارج المنزل. باستثناء الليل، الذي يمثل حالة مخالفة. منذ ذلك الحين، حصلت على أسلوب شبه أثيري، أو شبحي. لا نرى سيرج تقريياً، لأنه مجرد صورة ظلية غير واضحة. إلى أن يصبح واضحاً، عندما يشتغل على آلته الكاتبة. لكن الهوية ليست ما يبحث عنه، بل يريد أن يكون فناناً. يحب الغموض. يحب أن يكون غير واضح المعالم بعض الشيء. إنه بطل معاكس. لا يعرف رحمان، ولم يقرأ كتابه، ولا يعرف ما الذي يتحدث عنه. لكن، بالنسبة إليه، مهم أن يكون أول من يعلن وفاته. بما أني كاتب أيضاً، أجد هذا دائماً مُعقّداً وساخراً وعبثياً. لكنه في الوقت نفسه يعكس روح العصر. بعد ذلك، هناك طبعاً كل التعليقات عن عدم فهم الدين. ما أثار اهتمامي كيفية قلب النموذج السائد بالقول إن الشخصية الأكثر إيجابية في الفيلم إمام الجامع، وعدم الانغماس في لوم الذات. هناك طريقة لكتابة العالم الإسلامي تثير استياءنا الشديد، لأنها تتحدث عن عدم الفهم، وعن أشكال العنصرية، وتستغل أيضاً رؤية ما بعد استعمارية. مثلاً، الأخ يسخر من سيرج قائلاً إنه سيكتب رواية استشراقية. هذه مزحة، تنطوي على جانب من الحقيقة بالنسبة إلي.     (*) أيضاً، هذا فيلم عن التديّن لا الدين. شخصية لطفي (نسيب سيرج ـ المحرّر) مثيرة للاهتمام في هذا الصدد، لأن تديّنه نفاقيّ إلى حد ما. هو لا يتردد عن الشرب والاحتفال، وفي النهاية، هو الذي ينهب الفندق، لكنه في الوقت نفسه يثور عندما يتحدث سيرج عن كلمة "شيطان" في عنوان رواية تخييلية. في الواقع، هو في وضع البقاء حيّاً، لكنه ليس مجنوناً. جميع الأشرار في التاريخ لديهم دوافع. بعبارة أخرى، لا يوجد أشرار، بل أشخاص لديهم دوافع سيئة، ينتهي بهم الأمر بأن يصبحوا أشرار القصة. عندما نبحث قليلاً، نجد دائماً سبباً ومنطقاً وطريقة للتصرّف، تنبع من احتياجات تمرّ بالضرورة عبر التضحية بالآخر. بالنسبة إلي، ما يثير الاهتمام، من ناحية الكتابة، كيفية صنع فيلم سوداوي، أي فيلم عن شخص سيرتكب جريمة، لكنه بالضرورة مجنون. شخص يمزح، ويجب أن يتسلح بامرأة شابة تكون صورة تحفّزه، وتقول له ما يريد سماعه حتى اللحظة التي يفوت فيها الأوان. يعطي لطفي انطباعاً بأنه يتحكم بالأمور، لكنه مجرد شخص يحاول الخروج من المأزق، كما يستطيع، ويحصل على أكبر قدر من المال، ثم يهرب. قتل شخص ما، أمرٌ غير وارد بالنسبة إليه. إنه جانح صغير وليس مجرماً.   (*) سيرج كاتب مُعذّب أيضاً. يندرج الفيلم في قريحة سينمائية غنية جداً عن كتاب مُعذّبين. أذكر "بارتون فينك"، لأنه مرجع مُعبّر إلى حد ما، لا سيما أننا نرى في مشاهد جرحاً غائراً في الحائط. هل فكرت في مَعلَمة الأخوين كُوِن أثناء كتابة القصة؟ الفكرة: التخلّص من الإشارات المرجعية. أحاول ألا أصنع أفلاماً لتكريم آخرين. أعتقد أن هناك فقط غمزتين إلى شخصين، شكرتهما في الجينريك. هناك إشارة إلى فيلم "أنا كوبا"، عبر الرجل الذي يرتدي قناعاً على ظهره، ولمحة إلى "زودياك" فينشر عبر الدبوس. هذا كل شيء. أحذر دائماً من أن يغدو شغف المعجب ضاراً بالمخرج، فأتخلص من كل مراجعي. يجب قتل الأب لتكون موجوداً، كما تقول الأساطير، وهذا مهم جداً. لذا، أحرص على صنع فيلم يُفاجئني بطريقة ما. الذين يعرفون عملي قليلاً يعلمون أن في فكرتي عن السينما شاعريةً، بطريقة معينة. أحياناً، أفقد المُشاهد لأستعيده لاحقاً. في هذا الفيلم، نيّتي الإمساك بيده. أصفعه من حين إلى آخر، لكن أبقى ممسكاً بيده. إنها علاقة مرحة إلى حد ما أيضاً عبر نينا، التي تتهكم بشيء من الخفة على الصورة النمطية للعربي. كل الشخصيات تحمل تصدّعاً داخلياً، لا الجدار وحده. أتحدث عن الحرية، والحق في التعبير، وعمن يقرر أن يموت شخص ما، أو يعيش. لكن، إلى حد ما، يظلّ كل هذا مجرداً للغاية بنظري. يكفي أن نرى كيف يتصرف الناس عندما يثيرون الجدل على الإنترنت، مقارنة بما يحدث عندما تلتقي بهم في الشارع، وكيف يرفضون بعض الأمور ويقبلون أخرى، وكيف أن جلّهم أيضاً مصدر المصائب التي يشتكون منها. ما يعبر عنه الفيلم مصيبة شخص لا يزدهر كفنان أو ككاتب. إنه ليس كاتباً فاشلاً كما يعتقد البعض، بل مجرد كاتب غير مشهور. يجب التمييز بين من ينجح ومن يكن جيّداً. أفلام كثيرة لم تنجح أبداً عند إطلاقها، وبعد 20 ـ 30 عاماً نكتشفها، بدءاً من "أنا كوبا" لميخائيل كالاتوزوف. بالنسبة إلي، الفكرة كامنة في كيفية وضع المؤشر على منطقة، حيث تقع لكل شخص إنسانيته الخاصة في نهاية المطاف. تجنبّت جعل نينا نوعاً من Femme Fatale. بداخلها أيضاً طفلة صغيرة تحلم بالرحيل إلى مكان آخر.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows