Arab
في ظل استعدادات مبكرة لاستحقاقات انتخابية جديدة، ومع اقتراب موعد الانتخابات في إقليم أندلوسيا، يتجه المشهد السياسي في إسبانيا نحو مزيد من الاستقطاب، خصوصاً داخل معسكر اليمين، حيث باتت التحالفات بين الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس اليميني المتطرف تعيد صياغة الخطاب السياسي، وتدفعه نحو مواقف أكثر تشدداً، لا سيما في ملف الهجرة، الذي عاد إلى صدارة النقاش العام بوصفه أحد أبرز عناوين الصراع الانتخابي المرتقب. في هذا السياق، نجح حزب فوكس في دفع الحزب الشعبي إلى تبني جزء من خطابه، من خلال إدخال مفهوم "الأولوية الوطنية" إلى صلب النقاش البرلماني، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً داخل معسكر اليمين الإسباني، وتكشف في الوقت نفسه حجم التأثير الذي بات يمارسه هذا الحزب على توازنات الحكم، خصوصاً على المستوى الإقليمي.
ومن المقرر أن يناقش البرلمان الإسباني، اليوم الأربعاء، مذكرة تقدم بها حزب فوكس تدعو إلى منح الإسبان أولوية في الحصول على المساعدات والخدمات العامة، وهو مبدأ جرى إدراجه بالفعل ضمن اتفاق تشكيل الحكومة في إقليم إكستريمادورا، مقابل دعم "فوكس" تنصيب رئيسة الإقليم من الحزب الشعبي، ماريا غوارديولا. ويعني هذا المبدأ، بصيغته المباشرة، تفضيل المواطنين الإسبان على المهاجرين في الاستفادة من موارد دولة الرفاهية، وهو ما أثار جدلاً سياسياً واسعاً، نظراً لارتباطه بخطاب اليمين المتشدد في أوروبا.
في هذا السياق، وجد زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فييخو، نفسه مضطراً لتوضيح موقفه، مؤكداً أن حزبه لا يتبنى "الأولوية الوطنية" بالمعنى القائم على الجنسية، بل يربطها بما يسميه "الارتباط الفعلي" بالمكان، أي مدة الإقامة والعمل والمساهمة في المجتمع. وقال إن المعيار يجب أن يكون مكان العيش، بغض النظر عن جنسية الشخص، في محاولة واضحة للتمايز عن الطرح الأكثر صرامة الذي يدافع عنه زعيم "فوكس"، سانتياغو أباسكال. غير أن هذا التوضيح لم يمنع الانتقادات، لا سيما أن الحزب الشعبي قبل عملياً باستخدام المصطلح نفسه، حتى وإن حاول إعادة صياغته.
ويأتي هذا التطور في سياق سياسي داخلي معقد، حيث يفتقر الحزب الشعبي إلى أغلبية كافية لتشكيل حكومات بمفرده، ما يدفعه إلى عقد تحالفات مع "فوكس" في عدد من الأقاليم، كما هو الحال في إكستريمادورا، ومع اقتراب اتفاق مماثل في إقليم أراغون. هذا الواقع يمنح "فوكس" قدرة تفاوضية متزايدة، تتيح له فرض جزء من أجندته، لا سيما في ملفات مثل الهجرة والهوية، وهو ما يفسّر انتقال مفاهيم كانت تُعد هامشية إلى قلب النقاش السياسي في إسبانيا.
وبحسب الصيغة التي يدافع عنها الحزب الشعبي، فإن توزيع المساعدات العامة سيعتمد على معايير مثل مدة الإقامة القانونية، والعمل، والمساهمة في النظام، وهو ما يُعرف بـ"الارتباط" أو "التجذر" في المجتمع المحلي، لكن هذه المعايير تثير جدلاً واسعاً، إذ قد تؤدي عملياً إلى استبعاد فئات واسعة من المهاجرين، حتى أولئك الذين يقيمون في إسبانيا بشكل قانوني، خصوصاً مع اشتراط فترات إقامة طويلة قد تصل في بعض الحالات إلى عشر سنوات. أما المهاجرون غير النظاميين، فيُستبعدون بشكل شبه كامل من هذه المساعدات، باستثناء حالات الطوارئ.
خلاف يمتد أيضاً إلى قطاع الصحة في إسبانيا
ويمتد الخلاف أيضاً إلى قطاع الصحة، حيث يطرح الحزب الشعبي العودة إلى نموذج يقيّد استفادة المهاجرين غير النظاميين من الرعاية الصحية، بحيث تقتصر على الحالات الطارئة فقط، في تراجع عن مبدأ التغطية الصحية الشاملة في إسبانيا الذي أعادت العمل به حكومة بيدرو سانشيز. ويبرر الحزب هذا التوجه بضرورة الحفاظ على استدامة النظام، في حين ترى قوى سياسية أخرى أنه يمس أحد أبرز مكاسب دولة الرفاهية في إسبانيا.
وبالرغم من أن المذكرة المطروحة في البرلمان لا تحمل طابعاً إلزامياً، فإنها تكتسب أهمية سياسية كبيرة، لأنها تضع الحزب الشعبي أمام اختبار علني، وتكشف حدود المسافة التي تفصله عن خطاب "فوكس"، في وقت يسعى فيه إلى تثبيت تحالفاته وتجنب إعادة الانتخابات في عدد من الأقاليم. ومهما يكن من أمر، يعكس هذا الجدل تحوّلاً أعمق في المشهد السياسي الإسباني، حيث لم يعد النقاش حول الهجرة مقتصراً على إدارة التدفقات أو سياسات الإدماج، بل بات يمس تعريف من له الحق في الاستفادة من الدولة نفسها، في ظل صعود خطاب إقصائي يربط الحقوق الاجتماعية بمفاهيم الانتماء والهوية.

Related News
فينوس تأمل المشاركة في «رولان غاروس»
aawsat
11 minutes ago
مونديال 2026: كوراساو جزيرة صغيرة لكن بأحلام كبيرة
aawsat
11 minutes ago