Arab
يمثّل "المطرود من رحمة الله"، للمغربي هشام العسري، استمرارية وقطيعة في آن واحد مع منجزه. قطيعةٌ، لأنه أول فيلم (ثامن أفلامه الروائية) تدور أحداثه خارج المغرب، بفرنسا الموصوفة في الجينريك بـ"خيالية". لأنه مخرج مؤلف، بالمعاني العديدة للكلمة، يُحقّق الفيلم تناسقاً موضوعياً وجمالياً مع أفلامه السابقة، بسرده قصة بطل معاكس، أو شخص هامشي يبحث عن مكانه في العالم. هذه مناسبة ليتناول مجدّداً موضوعاً متجذراً في راهن سجالي، يتعلق بسيرورة التطرف في عالمٍ، اضمحلت فيه الأيديولوجيات والمُثل، وازدهرت ديانة المال، مع تساؤل ضمني مهم عما يزال بإمكانه إضافة معنى على سعي المرء حين تنتفي أمامه المعالم.
1993. يحلم سيرج (توماس سيميكا) بتأليف رواية رائجة، في فترة تدهور حالته المادية، بينما تستعد زوجته المغربية ماي (نادية كوندا) للإنجاب. نهاراً، يعمل موظف استقبال في فندق بباريس، وليلاً يكدّ على آلته الكاتبة. تنقلب حياته كلّياً عندما يأتي رحمان، الكاتب المثير، إلى الفندق للإقامة فيه، بعد صدور فتوى قتل بحقّه، مع وعد بمكافأة مالية مغرية لمنفّذها.
هذه كوميديا سوداء عن الإيمان، بكل التناقضات التي ينطوي عليها المفهوم بين الاعتقاد الديني والثقة بالموهبة الفنية. فبموازاة سعيه إلى تأليف الرواية، يغوص سيرج تدريجياً في عالم مواز، يمثّله جرح غائر وبهيم في حائط المنزل (لا يمكن فصل شكله عن العضو النسائي، وإحالته إلى لوحة غوستاف كوربيه، "مصدر العالم"، 1866)، يتراوح فيه بين حالتين: انحباس وحي، يستدعيه المخرج بلقطة جدّ مقربة على مؤشّر ينبض بإلحاح على صفحة رقمية ناصعة البياض، إلى أن تظهر حدود البكسل وشعور الزيف الذي تنطوي عليه.
يلتقي سيرج ناشرته (جولي غاييه) متحمّساً لردة فعلها. لكن رفضها مخطوط رواية، لم تر فيه لقاءً مرتقباً بين "روح العصر وطعم المطروق سلفاً ونبوءة الغد"، يطرق مسماراً جديداً في نعش طموح الكاتب. هكذا، يضحي سيرج على بعد خطوة من نداء الفراغ المحدق به، مقترباً من باعث جريمة أصلية، مدّنا الفيلم بنغمتها منذ ما قبل الجينريك، في مشهد دموي متعدّد القراءات، يجهز فيه سيرج على آلته الكاتبة بفأس، ويتطاير دمها القاني على وجهه.
الارتباط بالواقع، الذي تنطلق منه قصص العسري (موت الحسن الثاني، الربيع العربي، منفى إدريس البصري)، قبل الانزلاق إلى استعارات منزاحة أو غير اعتيادية، يتجسد هنا في الفكرة الأولية المستوحاة من فتوى الإعدام التي أصدرها الخميني ضد الكاتب سلمان رشدي (14 فبراير/شباط 1989)، عقب صدور روايته "آيات شيطانية" (1988). يحضر فضاء سفارة الجمهورية الإسلامية، مصدر الفتوى، كقوس يعود العسري عبره إلى نزعته المنزاحة، وسط حكي تغلب عليه الواقعية، فتبدو ردهات السفارة، المشبعة بإضاءة خضراء، وموظفوها بسلوكهم الأخرق أو الغريب، تجسيداً لبُعد زمني مختلف، يوحي بمنظومة تعيش خارج عصرها، وتشذّ عن روح الحضارة.
رغم أن أداء أبوبكر السيحي لم ينصف شخصية لطفي (نسيب سيرج)، فإنها تضطلع بأهمية بالغة في معادلة الحكي. إذ تمسك بأوصاف المتدين الطقوسي أو المنافق، حين لا يتردد في ضرب تعاليم الدين بعرض الحائط، ولا يمتلك أدنى حس أخلاقي، لكنه يتحول إلى شخص ورع ما إن يستشعر شبهة تجديف أو نظرة مخالفة للشمولي والمقدس. نحن بعيدون عن نموذج الملتحين المتزمتين الذين غالباً ما يؤثثون سيناريوهات التطرف الديني، ويبدون نسخة كربونية لبعضهم البعض ما عدا بعض الاختلافات الطفيفة، ويأتون ردود فعل متوقعة وكاريكاتورية.
يُصوَّر سيرج غالباً في خلفية إضاءة ساطعة، كاتباً مُعذّباً وسط فضاء ذهني، يعكس اضطراباً عميقاً يذكّر بـ"بارتون فينك" (1991) للأخوين كُوِن. يربك الحكي المسارات عبر نسج تداخلات مثيرة للاهتمام: سيرج يكتب نسخة جديدة من روايته، يتخيل فيها أن رحمان (هشام العسري) يضع حياته في خطر عن قصد بغية الترويج لكتابه؛ ولقاء سيرج بنينا (أليزي كوست)، شخصية غريبة تذكّر بنساء متقلّبات وثرثارات، يحضرن في قصص المخرج، أبرزها ستيلتو في "النهاية" (2011) للعسري نفسه، كأنهن من نسج خيال الشخصية الرئيسية، ما يفتح الباب لقراءة محتملة تفيد بأن كل ما يحدث يدور فقط في ذهن "المطرود من رحمة الله"، أو أننا بصدد زوبعة في جمجمة كاتب معذّب.
