طول أمد صدمة النفط يربك التوقعات الاقتصادية... سيناريوهات متضاربة
Arab
1 hour ago
share
لم تعد صدمة النفط تقاس بمستوى الأسعار، بل بمدى بقائها مرتفعة. فمع استقرار الخام فوق 100 دولار للبرميل، يتحول الخطر من ارتفاع مؤقت إلى عبء ممتد يضغط على النمو والتضخم وتكاليف التمويل عالمياً، في وقت تبدو فيه قدرة الاقتصادات على التكيّف محدودة. وفي هذا السياق، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 3.1%، مع رفع تقديرات التضخم إلى 4.4%، ويستند هذا المسار إلى افتراض أساسي مفاده أن صدمة الطاقة ستنحسر تدريجياً. غير أنّ هذا الافتراض يواجه تحدياً متزايداً: ماذا لو لم تنخفض الأسعار بالسرعة المتوقعة، وبقيت عند مستويات مرتفعة لفترة أطول؟ الإجابة عن هذا السؤال جاءت في حديث عدد من الاقتصاديين لـ"العربي الجديد". فبحسب بن كاسويل، كبير الاقتصاديين في المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (NIESR)، لم يعد عدم اليقين مرتبطاً بمستوى الأسعار بقدر ما أصبح مرتبطاً بمدة استمرار الأزمة، وأوضح أن استقرار النفط فوق 100 دولار يجعل العامل الحاسم هو الزمن، لا السعر، ما ينقل الصدمة من كونها حدثاً مؤقتاً إلى خطر هيكلي طويل الأمد. سيناريوهات متضاربة أما على المستوى البريطاني، فبدت الصورة أوضح في إفادة بول ديلز، كبير الاقتصاديين البريطانيين في "كابيتال إيكونوميكس" لـ"العربي الجديد". ديلز اعتبر أن توقعات صندوق النقد لنمو الاقتصاد البريطاني "تبدو معقولة" مقارنة بالافتراضات الطاقوية التي استندت إليها، مشيراً إلى أن السيناريو الأساسي لدى مؤسّسته، والبالغ 0.7% لنمو الناتج المحلي البريطاني في 2026، قريب جداً من تقدير الصندوق البالغ 0.8%. بيد أنّه لم يكتف بذلك، إذ أوضح أن الصورة تصبح أكثر قتامة إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة لوقت أطول؛ ففي السيناريو السلبي لدى المؤسّسة، ينخفض نمو الاقتصاد البريطاني إلى 0.3% هذا العام مع دخول البلاد في ركود طفيف. هذه الملاحظة لا تنقض بالضرورة خط الصندوق الأساسي، لكنها تربط معقوليته بشرط حاسم: ألا يتحول ارتفاع الطاقة إلى حالة ممتدة. هذا الشرط ذاته حاضر وإن بصورة مختلفة، في تقديرات صندوق النقد نفسه. فالصندوق لم يطرح رقماً واحداً مغلقاً، بل وضع إلى جانب خطه الأساسي سيناريوهَين أكثر تشاؤماً. الأول سلبي، يهبط فيه النمو العالمي إلى 2.5% إذا استقر النفط قرب 100 دولار للبرميل هذا العام. أما الثاني فهو سيناريو حاد، يهبط فيه النمو إلى 2% مع تضخم يتجاوز 6% إذا امتد تعطل الإمدادات إلى العام المقبل. بهذا المعنى، لا تعود المسافة بين السيناريوهات مجرد فروق حسابية في جداول التوقعات، بل تصبح تعبيراً عن اختلاف جوهري في تقدير مدة الصدمة وقدرتها على الانتقال من سوق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي الأوسع. ومن داخل هذا الجدل، يضيف بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في "أوكسفورد إيكونوميكس"، بعداً تحليلياً مهماً، ففي ردّه على أسئلة "العربي الجديد"، قال إنّه من "المستحيل" تحديد حجم ما يفسره النفط وحده في الفجوة بين تقديرات أوكسفورد وخط الصندوق الأساسي، لأنّ الافتراضات التفصيلية لدى صندوق النقد غير معلنة، ولأنّ الفوارق قد تعود أيضاً إلى تقديرات مختلفة تخصّ دولاً بعينها. مع ذلك، شدد على أن مستوردي الطاقة، مثل أوروبا واليابان، هم الأكثر هشاشة بين الاقتصادات المتقدمة إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة، فيما قد تستفيد اقتصادات منتجة للطاقة مثل الولايات المتحدة من بعض الآثار الإيجابية عبر قطاع الطاقة المحلي، وهو ما لا تستفيد منه أوروبا واليابان. يتسق هذا مع تقديرات "أوكسفورد إيكونوميكس" التي تضع النمو العالمي عند 2.9% في 2026، مقابل 3.1% في حسابات صندوق النقد، غير أنّ أهمية مداخلة بن ماي لا تكمن في فجوة الأرقام بحد ذاتها، بل في رصده الإشارات التي قد تدفع الاقتصاد العالمي من تباطؤ إلى مسار أشد خطورة: ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة، صعود التضخم وتوقعاته، اتّساع ضغوط سلاسل الإمداد، وتشدد الأوضاع المالية. عند هذه النقطة، لا يعود الجدل بين رقمَين، بل بين نمو ضعيف ومسار قد ينزلق إلى الركود إذا طال أمد الحرب. خلاف اقتصادي ولا تبقى هذه المخاوف في حدود التقدير النظري، إذ تجد ما يدعمها في بيانات سوق النفط نفسها، إذ خفضت وكالة الطاقة الدولية، توقعاتها للطلب العالمي على النفط إلى انكماش هذا العام، بعدما كانت تتوقع نمواً قبل شهر فقط، كما أشارت إلى هبوط الإمدادات العالمية وتراجع العبور عبر مضيق هرمز بصورة حادة. أهمية هذه المؤشرات أنها تعني أن الشك في الخطوط الأساسية لم يعد قائماً على نماذج نظرية وحدها، بل على تعطل فعلي في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. وهذا ما يفسر لماذا لم يعد الحديث عن النفط محصوراً في الأسعار، بل اتّسع ليشمل النقل والتأمين وسلاسل الإمداد وكلفة التمويل. تبقى بريطانيا من أكثر الاقتصادات الكبرى حساسية لهذه الصدمة، فقد خفّض صندوق النقد توقعاته لنموها إلى 0.8% في 2026، مع تضخم عند 3.2% وبطالة عند 5.6%، كما رفع تقديره للتضخم الأساسي. وهذا يعني أن أثر الحرب لا يمرّ عبر الطاقة وحدها، بل أيضاً عبر تباطؤ التهدئة النقدية وارتفاع كلفة التمويل، في وقت يحذّر فيه بنك إنكلترا من أن مخاطر التضخم ما تزال العامل الأبرز. هكذا، لم يعد الخلاف الاقتصادي اليوم حول سعر النفط بقدر ما صار حول الزمن الذي سيمضيه عند هذا المستوى. يضع بن كاسويل مدة النزاع في قلب الخطر، ويترجم بول ديلز ذلك بوضوح على الحالة البريطانية، فيما يشرح بن ماي كيف قد تنزلق الصدمة من تباطؤ إلى مسار ركودي إذا اجتمعت الطاقة المرتفعة مع تضخم أعلى واختناقات في الإمداد وتشدد مالي. لذلك لم يعد السؤال أين بلغ النفط، بل إلى متى سيبقى مرتفعاً. وعند هذه النقطة تحديداً، لا يُختبر الخط الأساسي لصندوق النقد وحده، بل تُختبر معه قدرة الاقتصاد العالمي وبريطانيا ضمنه، على احتمال صدمة لم يعد يحدّدها السعر وحده بل طول أمدها.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows