نهاية الرحلة وبداية القراءة
Arab
1 hour ago
share
توالت كتابات كثيرة، في ليلة رحيل الكاتب العُماني نبهان الحنشي (18 إبريل/ نيسان الحالي)، تنعاه في وسائل التواصل الاجتماعي. أربعيني اتصفت حياته بالتدفّق والعطاء في أكثر من جهة، رافضاً السكون، محلّقاً في فضاء الغربة والمغامرة، إذ قضى قرابة 12 عاماً في بريطانيا. كما زاول كتابة الشعر الشعبي والقصّة والرواية. كثير من هذه الكتابات التلقائية في "فيسبوك"، التي انبثقت بسبب رحيله المفاجئ، كانت تدعو إلى قراءته. كتب الشاعر، والسينمائي العُماني، عبد الله حبيب: "لقد حان أوان أن نقرأه". وقالت الشاعرة والأستاذة الجامعية فاطمة الشيدي: "أعدك بأنني سأكمل قراءة أعمالك الإبداعية، فهذا آخر ما أستطيع لأجعل لعبورك الخاص على هذه الأرض أثراً في الوعي الإنساني، وفي أرواح البشر المتحدة في الألم والمحبّة والرغبة في التغيير والحياة بسلام". أيضاً، كتب القاصّ والإعلامي سليمان المعمري: "رحل نبهان، لكنّ عزاءه أنّه قال كلمته، وسرد حكاياته. والحكايات (كما كتب مرّة) لا تنتهي، يرحل مؤلّفوها ويبقى السرد". وانسجاماً مع عبارة سليمان، "ويبقى السرد"، ترك نبهان أكثر من كتاب سردي، "ظلّ يسقط من مرآة" كانت أبرز مجموعاته القصصية. وفي الرواية، كانت البداية مع "امرأة تضحك في غير أوانها" (مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2014)، رواية سلسة في سردها، وهي أوّل ما قرأ له كاتب هذه السطور، وتتحدّث عن موظّف جاء من قريته المغلقة إلى مسقط بعد أن نودي إليه للوظيفة، وقد كان مغلّفاً طوال الوقت بشعور الذهول، والشوق إلى اكتشاف كلّ تفصيل جديد في عالمه الجديد، وقد كان يظنّ أنّه ترك آلاماً كثيرةً وراءه في قريته، من أهمها آلام التمييز بين البشر، ليكتشف أنّ الوظيفة الجديدة فيها تمييز من نوع آخر، وتقتضي النفاق والمجاملة من أجل التفوّق فيها، ولا يُكتفى فيها بالإخلاص للعمل وحسن السير والسلوك. لم يتكيّف بطل الرواية مع وضع المحسوبية والتمييز والفساد الإداري، كما أنّه يقع في حبّ زميلته، ويُرفض حين يتقدّم للزواج بها، لأنّ منصبه الوظيفي بسيط. ولكنّنا سنجد النضج الفنّي لدى نبهان أكثر مع آخر إصداراته: "جميلات جعلان" (نسخة إلكترونية في موقع أمازون، 2019)، وقد استطاع كاتب هذه السطور أن يحصل على فصل منها منشوراً في مجلّة إلكترونية، يتحدّث عن رجل يحمل لقب "سعادة"، جاء من قريته إلى مسقط لعلاج أسنانه عند طبيب في عيادة خاصّة، وكانت تساعد الطبيب في غرفة التمريض شابّة جميلة. يخفق قلب المريض فيظنّ، الطبيب أنّه خائف من العلاج فيحاول طمأنته، ولكنّ ذلك الخفقان كان في الحقيقة مصدره حضور الفتاة. لم ألتق نبهان سوى مرّة في مقهى بمدينة القرم بالعاصمة مسقط، وقد نبّهني ذلك اللقاء إلى شابّ وسيم متحمّس للحياة والسفر، أتذكّر أنّه كان عائداً يومها من القاهرة، وهو يتحدّث عنها بإعجاب، ثم سمعت أنّه سافر إلى بريطانيا، ليمضي فيها قرابة 12 سنة قبل أن يقرّر العودة بسبب المرض الذي اكتشفه في آخر مراحله، فاختار أن يستريح راحته النهائية في قريته "جعلان" في شرقية عُمان. حتى كتابة هذه السطور، تتوالى عبارات الألم على رحيله، وقد أخبرني صديق عمره الكاتب المسرحي، هلال البادي، بتفاصيلَ مهمّةٍ عن الراحل، منها أنّه كان عضواً نشيطاً في أسرة كتّاب القصّة العُمانية، وكانا يلتقيان بصورة مستمرّة بمعية القاصّ سعيد الحاتمي، ليتركهم نبهان فجأةً للزواج، ثم ليتركهم فجأةً للسفر إلى بريطانيا. نشط نبهان أيضاً في فترة "الربيع العربي"، أو طثورة فيسبوك، على ما سمّاه بعضهم. وفي هذا السياق، أتذكّر عمّه الوالد الطيب محمّد الحنشي، وهو جار وصديق لوالدي المرحوم. أتذكّره وهو يسأل أولاده عن طبيعة "فيسبوك" هذا الذي سبَّب هذا الزلزال الواسع في العالم العربي، وحين عرف أنّه مجرّد وسيلة تواصل إلكترونية، بعد أن تبرّع ابنه الطبيب أحمد بفتحه له بواسطة هاتفه، استغرب الرجل الكبير أن يسبِّب شيء هلامي كهذا تفجيرَ ما حصل كلّه في العالم العربي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows