Arab
منذ اندلاع الحرب في المنطقة في 28 فبراير/شباط 2026، لم تعد الأسواق العالمية تتحرك فقط وفق أساسيات العرض والطلب أو وفق البيانات الاقتصادية المجدولة، بل أصبحت رهينة مباشرة لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتحديدا لتلك الإشارات المتناقضة التي تتراوح بين التهديد بالتصعيد العسكري والحديث المفاجئ عن مخرج قريب من الحرب. ولم ينعكس هذا التذبذب الحاد في الخطاب السياسي على أسعار النفط والذهب والدولار والأسهم فحسب، بل فتح أيضا بابا واسعا أمام اتهامات داخل الولايات المتحدة بوجود تداولات مريبة سبقت بعض إعلانات ترامب الحاسمة بدقائق أو ساعات، بما يوحي بأن أطرافا محددة ربما كانت تعرف مسبقا اتجاه القرار السياسي وتبني عليه رهانات مالية ضخمة. وهذا يعني أن الجدل لم يعد محصورا في تأثير الحرب على الأسواق، بل اتسع ليشمل سؤالا أكثر خطورة: هل تحولت قرارات الحرب والتهدئة إلى أداة لإعادة تسعير الأسواق بما يسمح للبعض بتحقيق أرباح استثنائية؟
وربط محللون بين تحركات ضخمة في أسواق النفط والأسهم ومنصات التوقعات، وبين تصريحات أو قرارات مفاجئة صادرة عن ترامب. وفي الوقت الذي ينفي فيه البيت الأبيض أي تورط أو تسريب، فإن تكرار النمط ذاته في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من سوق، جعل خبراء قانونيين ومسؤولين سابقين في هيئات رقابية أميركية يصفون هذه الصفقات بأنها تستدعي التدقيق وتبدو مريبة للغاية. وذكرت صحيفة "ماركت ووتش"، في تقرير نشرته أول أمس الأربعاء، بعنوان: "لماذا قد تحتفل الأسواق بإشارات زائفة لتهدئة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟، مشيرة إلى أن تضارب عناوين الأخبار بشأن الحرب يدفع المستثمرين إلى استباق الأحداث والتفاعل مع آمال خفض التصعيد بدلا من أي تقدم مؤكد على الأرض.
ونقلت الصحيفة عن مدير المحافظ في شركة "برايم كابيتال فاينانشال"، كلايتون أليسون، قوله إن الأسواق كانت تسعر السيناريو الأسوأ للحرب، لذلك تميل إلى الاندفاع بقوة مع أي إشارة -حتى لو كانت غير مؤكدة- توحي بإمكانية التهدئة. وهو ما يفسر كيف أصبحت الأسواق قابلة للخداع بإشارات جزئية أو ملتبسة، وكيف يمكن لعبارة سياسية غير مكتملة أو تسريب إعلامي غير محسوم أن يغير اتجاه مليارات الدولارات خلال ساعات. وبناء عليه تحولت المعلومة السياسية أو التصريح الصحافي إلى أصل مالي بالغ الربحية.
قفزة وول ستريت على أمل "مخرج" للحرب
وأنهت الأسواق الأميركية جلسة الثلاثاء الماضي على ارتفاعات حادة، مدفوعة بتكهنات حول احتمال تهدئة الحرب. وسجلت المؤشرات الثلاثة أكبر مكاسب يومية منذ مايو/أيار 2025، إذ ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 2.91% إلى 6528.52 نقطة، وقفز ناسداك بنسبة 3.83% إلى 21590.63 نقطة، وصعد داو جونز بنسبة 2.49% إلى 46341.51 نقطة. كما بلغ حجم التداول 22.4 مليار سهم، مقارنة بمتوسط 20.3 مليار سهم خلال الجلسات العشرين السابقة، وهو ما يعكس شدة اندفاع المستثمرين نحو إعادة تسعير المخاطر.
وربطت رويترز هذا الصعود بما نشرته وول ستريت جورنال عن أن ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير. لكن المفارقة أن هذه القفزة جاءت في وقت لم تكن هناك تسوية معلنة، ولا اتفاق، ولا حتى جدول زمني واضح لإنهاء الحرب. ولذلك وصف بيل نورثي، مدير الاستثمار في إدارة الثروات بـ"يو إس بنك"، ما جرى بأنه رهانات على وجود مخرج مبكر من الحرب أو وقف للأعمال القتالية، موضحا أن التفاصيل لا تزال محدودة، لكن الأسواق تبحث عن أي إشارة إلى عودة تدفق الطاقة بشكل طبيعي عبر مضيق هرمز. وهذا الاعتراف من داخل السوق يؤكد أن الصعود لم يكن مبنيا على إنجاز دبلوماسي، بل على توقعات مضاربية غذتها إشارات سياسية ناقصة.
وبينما احتفت الأسواق في 31 مارس/آذار و1 إبريل/نيسان بإمكانية وجود مخرج من الحرب على خلفية معلومات مسربة على لسان ترامب، فإن خطاب ترامب مساء 1 إبريل/نيسان نسف هذه الآمال سريعا. بعدما توعد بشن ضربات أكثر قوة على إيران خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة. وبدل أن يقدم الرئيس الأميركي تطمينات بشأن فتح مضيق هرمز أو جدولا زمنيا واضحا لإنهاء الحرب، اختار لغة تصعيدية قال فيها إن الولايات المتحدة في طريقها لإكمال جميع الأهداف العسكرية قريبا جدا، وإنها ستضربهم بقوة شديدة خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة.
انكشاف الإشارة الكاذبة
ودفعت تصريحات ترامب الأخيرة الأسواق إلى الاتجاه المعاكس تقريبا خلال تعاملات أمس الخميس، حيث ارتفعت أسعار النفط مجددا، وتراجعت الأسهم، وانبعثت مخاوف جديدة بشأن استمرار اضطراب إمدادات الطاقة. وقفز خام برنت بنحو 5% إلى 106.16 دولارات للبرميل، لأن الخطاب خلا من أي ضمانات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، وهو الشريان الذي كان يمر عبره نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وعزز هذا التحول السريع من التفاؤل إلى التشاؤم خلال أقل من 48 ساعة الانطباع بأن السوق لم يكن يتعامل مع مسار استراتيجي واضح، بل مع إشارات سياسية متقلبة يصدرها ترامب نفسه، فتقود عمليات بيع وشراء حادة على نطاق عالمي.
وفي السياق، ارتفع الدولار بقوة بعدما بدد خطاب ترامب آمال المستثمرين في إنهاء سريع للحرب، فاندفعوا نحو الأصول الآمنة مع ارتفاع النفط وتراجع الأسهم. وصعد مؤشر الدولار بنسبة 0.53% إلى 100.09، بينما تراجع اليورو 0.51% إلى 1.1531 دولار، وخسر الجنيه الإسترليني 0.68% إلى 1.3216 دولار، وتراجع الدولار الأسترالي 0.69% إلى 0.6881 دولار أميركي. حتى الين الياباني، رغم طبيعته الدفاعية، فقد 0.5% ليسجل 159.64 للدولار. وقالت محللة العملات في بنك كومنولث أستراليا، كارول كونغ، إن تصريحات ترامب فشلت في طمأنة الأسواق، وإن السوق بدأ يدرك أن الحرب ستتصاعد على الأرجح قبل أن تهدأ، وفق رويترز. وهو ما يعني انكشاف "الإشارة الكاذبة" التي تلقتها الأسواق قبل 48 ساعة والتي تضمنت تلميحات زائفة قبل أن يظهر الموقف الأميركي الحقيقي في خطاب رسمي مباشر.
تداولات مريبة
وأشارت رويترز في تقرير لها، الثلاثاء الماضي، إلى وجود أربع حالات على الأقل بدا فيها أن مستثمرين علموا بما سيحدث قبل وقوعه بقليل. شملت تداولات في الخيارات المالية، والعقود الآجلة للسلع، وأسواق التوقعات المرتبطة بالرسوم الجمركية وفنزويلا وإيران. ونقلت عن أندرو فيرستين، خبير التداول الداخلي في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا، قوله إن الأمر يبدو مريبا للغاية، وإن الأنماط المرصودة تشبه ما قد يتوقع إذا كان هناك تداول قائم على معلومات من مسؤولين حكوميين أو مقربين منهم. كما نقلت الوكالة عن أيتان غولمان، المدير السابق للإنفاذ في هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية، قوله إن مثل هذه التداولات عادة ما تستدعي التدقيق من البورصات، وهيئة تداول السلع الآجلة الأميركية، ووزارة العدل.
ولم تذهب رويترز إلى حد الجزم بوجود مخالفة، لكنها شددت على أن توقيت وحجم الرهانات يبرران مراجعة دقيقة لمعرفة ما إذا كانت هناك معلومات حكومية غير معلنة تم استغلالها. ورغم أنه لا توجد إدانة قانونية حتى الآن، لكن توجد شبهة متكررة، موثقة، وعابرة لأسواق متعددة، الأمر الذي يجعلها أبعد من مجرد مصادفات منفصلة. والحالة الأبرز في هذا السياق تتعلق بيوم 23 مارس/آذار 2026، حين شهدت أسواق العقود الآجلة طفرة مفاجئة في تداول النفط عند الساعة 10:49 صباحا بتوقيت غرينتش، أي قبل وقت قصير من إعلان ترامب تأجيل ضربات على إيران لمدة خمسة أيام. وبحسب مادة تحليلية نشرتها مجلة ذا نيويوركر في 30 مارس/آذار 2026، تم تداول نحو ستة آلاف عقد نفطي بقيمة تتجاوز نصف مليار دولار، كما شهدت العقود المرتبطة بمؤشر S&P 500 نشاطا مكثفا في الوقت نفسه. وبعد إعلان ترامب عن المحادثات والحل الكامل والشامل وقرار التأجيل، هبط سعر النفط بأكثر من 10% وارتفعت العقود الآجلة للأسهم بنحو 2.5%. وهو ما يعني أن الجهة التي باعت عقود النفط الآجلة واشترت عقود الأسهم قبل الإعلان حققت أرباحا كبيرة خلال دقائق.
شبهات تلاعب وتربّح
وقال المحامي السابق في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، بن شيفرين، إن الإشكالية الجوهرية تتمثل في مدى احتمالية أن تكون هذه التداولات نتيجة مصادفة بحتة، مشيرا إلى أن تزامنها الدقيق مع الأحداث، إلى جانب أحجامها الكبيرة، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعتها. وفي السياق ذاته، أوضح المتداول المخضرم مايك خو أن بعض هذه العمليات استلزم توفير هوامش مالية بعشرات الملايين من الدولارات، وهو ما يعكس مستوى مرتفعا من الاحتراف والقدرة التمويلية، ويستبعد فرضية أنها صادرة عن مضاربين أفراد، مرجحا وقوف مؤسسات مالية كبرى أو جهات ذات ملاءة عالية وراءها.
ونقلت رويترز عن ديفيد ميلر، مدير الإنفاذ الجديد في هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية، أن التداول بناء على معلومات داخلية في أسواق التوقعات أصبح ضمن أولويات الهيئة. وقال ميلر صراحة إن الهيئة على دراية بالتكهنات المتعلقة بالتداول الداخلي وإنها تراقب. وهذه الإشارة الرسمية تكتسب أهميتها من أن أسواق التوقعات، مثل منصتي "بولي ماركت" و"كالشي" باتت تستقطب رهانات على أحداث سياسية وعسكرية حساسة، بما فيها الحرب في المنطقة، وهو ما يمنح المطلعين المحتملين قناة جديدة للاستفادة من أي قرار قبل إعلانه.
وترى بعض الولايات الأميركية، وفق الوكالة، أن هذه العقود تدخل في نطاق المقامرة، بينما تعتبرها هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية عقود مشتقات تنطبق عليها قوانين التداول الداخلي. وهو ما يجعل الرقابة عليها أقل صرامة من أسواق الأسهم والسلع التقليدية، ويمنح المتلاعبين المحتملين مساحة أوسع للمناورة. وقد أقرت منصتا "بولي ماركت" و"كالشي" بالفعل قواعد جديدة لمكافحة التداول الداخلي، لكن هذه الإجراءات تبدو حتى الآن محدودة مقارنة بحجم الشبهات المتراكمة وسرعة نمو هذه الأسواق.
الاتهامات تتسع والبيت الأبيض ينفي
وفي واشنطن، لم يتأخر خصوم الرئيس دونالد ترامب في نقل الملف من نطاق الجدل السوقي إلى دائرة الاتهام السياسي والأخلاقي. فقد تساءل السيناتور الديمقراطي كريس مورفي علنا، عبر حسابه على منصة "إكس" عن هوية الأطراف التي ربما كانت على علم مسبق بهذه التطورات، قائلا: "من كان يعلم؟ هل هو ترامب نفسه، أم أحد أفراد عائلته، أم موظف في البيت الأبيض؟"، واصفا ما جرى بأنه فساد مذهل.
وفي السياق ذاته، نقلت تقارير إعلامية أميركية انتقادات حادة من السيناتورة إليزابيث وارن، التي ربطت بين ما وصفته بتراجع فاعلية الإنفاذ الرقابي وبين موجة فساد تجتاح واشنطن بقيادة الرئيس ترامب. واستندت وارن في تصريحاتها إلى بيانات مقارنة تظهر تراجعا ملحوظا في عدد قضايا الإنفاذ التي رفعتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية مقارنة بالإدارة السابقة، إضافة إلى استقالة مسؤولة بارزة في قطاع الإنفاذ، وهو ما عزز -بحسب مراقبين- الانطباع بأن القضايا التي تمس دائرة ترامب لا تحظى بالأولوية ذاتها داخل المؤسسات الرقابية.
ومن جانبه، يصر البيت الأبيض على نفي هذه الاتهامات. فقد قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، إن القواعد الأخلاقية الحكومية تمنع الموظفين الفيدراليين من الاستفادة من معلومات غير معلنة، مؤكدا أن أي اتهام دون دليل يعد ادعاء لا أساس له وغير مسؤول، وفق رويترز. كما شدد المستشار القانوني للبيت الأبيض، ديفيد وارينغتون، في تصريحات نقلها موقع "أكسيوس" في 25 مارس/آذار 2026، على أن الرئيس لا يشارك في صفقات تجارية تتعارض مع مسؤولياته الدستورية. غير أن هذا النفي السياسي، رغم أهميته، لا يكفي بمفرده لتبديد الشبهة السوقية، إذ لم يعد السؤال مقتصرا على ما إذا كان التورط قد ثبت قانونيا، بل امتد ليشمل تفسير تكرار النمط ذاته قبل قرارات كبرى تُحدث تحركات حادة في الأسواق.

Related News
مخالفات البناء تتوسع في حلب... ومخاوف من كوارث
alaraby ALjadeed
25 minutes ago