Arab
تنتشر مخالفات البناء في حلب، خاصة في المناطق التي تعرضت لدمار جزئي خلال سنوات الحرب، حيث يستغل الأهالي ضعف متابعة الجهات المعنية الأعمال الميدانية.
تشهد مدينة حلب شمال سورية تصاعداً ملحوظاً في مخالفات البناء، في ظاهرة باتت تقلق السكان والمهنيين معاً مع استمرار أعمال التشييد من دون تراخيص رسمية أو رقابة هندسية كافية. وتزداد المخاوف مع هطول الأمطار التي تفاقم غالباً مشاكل تسرّب المياه وضعف أساسات المباني غير المدروسة، كما أن أي هزة أرضية حتى لو كانت خفيفة قد تشكل اختباراً حقيقياً لسلامة هذه المنشآت.
واخيراً، انهارت مبانٍ قيد الإنشاء في حلب، أبرزها في حي المعادي في فبراير/ شباط الماضي حيث أصيب 3 عمال، وسبقه مبنى مؤلف من ثلاثة طوابق في حي القاطرجي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي حيث سقط قتيل، ما يشير إلى مخالفات في البناء ومشاكل في السلامة الهيكلية وضعف في الأساسات.
يقول عامر آدم، وهو أحد سكان حي السكري، لـ"العربي الجديد": "لم يعد مشهد المباني المخالفة استثناءً في الحي، بل أصبح جزءاً من الواقع اليومي الذي يفرض نفسه على السكان، وزادت وتيرة هذه المخالفات في شكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، حيث أضاف بعض المالكين طوابق جديدة فوق مبانٍ قديمة من دون إجراء أي دراسة هندسية تضمن قدرة البناء على تحمّل هذه الزيادة". ويلفت إلى أن "هذه الممارسات تجري غالباً بعيداً عن أي إشراف فني متخصص ما يجعل المباني عرضة لمشكلات إنشائية قد تظهر تدريجاً، مثل التشققات التي قد تتفاقم في أي لحظة. والسكان يعيشون في قلق مستمر، خاصة في المباني المتلاصقة، حيث يمكن أن يهدد خلل في بناء واحد سلامة المباني المجاورة".
أيضاً يتحدث آدم عن أن "غياب الرقابة الفعلية أو الإجراءات الرادعة يشجع البعض على مواصلة المخالفات في وقت لا يواجه المخالفون في كثير من الأحيان أي محاسبة واضحة. وهذا الواقع يعمّق الإحساس بانعدام الأمان في ظل إدراك الأهالي أن هذه المباني قد تتحوّل مع الوقت إلى خطر حقيقي يهدد حياتهم". يتابع: "لا يقتصر القلق على احتمالات الانهيار فقط، بل يمتد ليشمل الضغط المتزايد على البنى التحتية، مثل شبكات المياه والصرف الصحي التي لم تشيّد أساساً لاستيعاب هذا التوسع العشوائي، واستمرار هذه الظاهرة من دون تدخل جدي قد يؤدي إلى نتائج كارثية، لذا ندعو الجهات المعنية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضبطها وحماية السكان".
من جهتها، تشير رائدة بريخان، وهي ربة منزل من حي الصاخور، في حديثها لـ"العربي الجديد"، إلى أن الدافع الأساسي وراء انتشار مخالفات البناء يرتبط مباشرة بالأزمة السكنية الخانقة في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات التي تفوق القدرات المالية لكثير من العائلات، والخيارات المتاحة المحدودة للسكن. وتقول: "نعيش في واقع صعب جداً، ومعظم العائلات التي لا تستطيع تحمّل تكاليف الإيجارات تبحث عن أي حل حتى لو كان مخالفاً. لا تجد العائلات بديلاً حقيقياً فتضطر إلى البناء بشكل مخالف لتأمين مأوى، خاصة إذا كانت تملك قطعة أرض صغيرة أو منزلاً متضرراً يمكن توسيعه، حتى لو حصل ذلك على حساب السلامة. وهذه القرارات تكون غالباً بدافع الضرورة، فالناس لا تبني بشكل مخالف لأنها تريد ذلك، بل لأنها مجبرة على إيجاد مكان تعيش فيه". تتابع: "المشكلة أن المخاطر لا تقتصر على من ينفذ المخالفة فقط، بل تطاول الجميع، فحين يكون البناء غير مدروس أو غير آمن يمكن أن ينهار ويؤذي الجيران أيضاً. من هنا بات الخوف من هذه المباني حالة عامة بين السكان، خصوصاً في الأحياء المكتظة، حيث تتلاصق هذه المباني بشكل كبير".
وتذكر أن "غياب الحلول البديلة يزيد تعقيد المشكلة، ولو تتوافر مشاريع سكنية ميسرة أو دعم حقيقي للعائلات لما اضطر الناس إلى هذا النوع من البناء. نحتاج إلى حلول واقعية تأخذ في الاعتبار ظروف الناس، وتحميهم في الوقت نفسه من المخاطر التي قد تهدد حياتهم".
ويقول جواد عقل، أحد عمال البناء في حي الهلك، لـ"العربي الجديد": "تعمل ورش البناء ليلاً لتفادي لفت الانتباه، وتستكمل أعمال البناء بسرعة من دون الالتزام بأي معايير هندسية وسط غياب شبه كامل للرقابة، وكأن الأمر أصبح طبيعياً رغم المخاطر الكبيرة التي يعيشها العمال يومياً، والمشكلة لا تنحصر في المباني السكنية، بل تمتد إلى المحلات التجارية والمستودعات التي تبنى بشكل مخالف في أحياء مكتظة، ما يزيد الضغط على البنى التحتية".
ويوضح المهندس المدني محمد خليل، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "البناء المخالف لا يعني فقط غياب الترخيص، بل يتعداه إلى غياب الدراسة الإنشائية السليمة. وأي بناء يجب أن يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بقدرة التربة وتحمّل الأعمدة والأساسات وجودة المواد المستخدمة، وقد يؤدي تجاهل هذه العوامل إلى تصدعات خطيرة أو حتى انهيارات مفاجئة". يضيف: "تبنى مبانٍ مخالفة باستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات، أو بإشراف عمال غير متخصصين، ما يزيد احتمال حصول كوارث. وقد لا يظهر الضرر مباشرة ويتراكم مع الوقت في ظل عوامل مثل الرطوبة أو الهزات الأرضية".
ويؤكد خليل أن "الحل لا يقتصر على إزالة المخالفات، بل يتطلب معالجة جذور المشكلة من خلال توفير بدائل سكنية مناسبة، وتشديد الرقابة وفرض عقوبات رادعة على المخالفين. ومن الضروري توعية الأهالي بمخاطر البناء العشوائي، وإشراك النقابات المهنية في ضبط الظاهرة".

Related News
فرنسا تتجه نحو «اقتصاد الحرب» بخطة تسليح غير مسبوقة
al-ain
49 minutes ago