Arab
انطلق أربعة روّاد فضاء على متن صاروخٍ ضخم تابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، مساء الأربعاء، في رحلةٍ طال انتظارها حول القمر، في أول تحليقٍ مأهول حوله منذ أكثر من 50 عاماً. وبهديرٍ مدوٍّ تجاوز منصة الإطلاق، حمل الصاروخ البرتقالي والأبيض العملاق ثلاثة أميركيين وكندياً واحداً مبتعداً عن "مركز كينيدي الفضائي" في فلوريدا عند نحو الساعة 6:35 مساءً بالتوقيت المحلي (22:35 بتوقيت غرينتش). ويضم الطاقم، الذي ارتدى أفراده بزّاتٍ برتقالية زاهية مزينة بخطوطٍ زرقاء مع انطلاق المهمة، كلاً من الأميركيين ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوخ، إلى جانب الكندي جيريمي هانسن. وقال وايزمان، قائد المهمة: "لدينا شروق قمرٍ جميل، ونحن نتجه نحوه مباشرةً".
وأشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"روّادنا الشجعان"، واصفاً الإطلاق الناجح بأنه "أمرٌ استثنائي"، وذلك في مستهل خطابٍ متلفز حول الحرب ضد إيران. وشدّد مدير "ناسا" جاريد إيزاكمان على الطابع التاريخي للإطلاق، قائلاً: "لقد عادت ناسا إلى إرسال البشر إلى القمر". ففي ستينيات القرن الماضي، كانت "ناسا" تتسابق مع الاتحاد السوفييتي للوصول إلى القمر. أما اليوم، فهي تسعى إلى عدم التأخر عن طموحات الصين، التي تخطط لإرسال روّادها إلى القمر بحلول نهاية عام 2030، لكن الهدف لم يعد مجرد الفوز بالسباق، بل إقامة وجودٍ دائم على سطح القمر خلال العقد المقبل. وأشار إيزاكمان إلى أن "المنافسة وسيلةٌ فعالة لحشد موارد الدول"، مضيفاً: "يمكن أن تكون المنافسة أمراً جيداً، ولدينا منافسة الآن بالفعل". وأكد أن مهمة "أرتميس 2" تمثّل "بداية الطريق"، مشيراً إلى أن الدروس المستفادة منها ستُطبّق على المهمات اللاحقة.
Liftoff.
The Artemis II mission launched from @NASAKennedy at 6:35pm ET (2235 UTC), propelling four astronauts on a journey around the Moon.
Artemis II will pave the way for future Moon landings, as well as the next giant leap — astronauts on Mars. pic.twitter.com/ENQA4RTqAc
— NASA (@NASA) April 1, 2026
وخلال العدّ التنازلي، لم تتكرر مشكلات تسرب الهيليوم والهيدروجين التي أخّرت الإطلاق في وقتٍ سابق، لكن بعض الأعطال التقنية الأخرى ظهرت، منها خلل في نظام إنهاء الرحلة، إضافةً إلى مشكلةٍ في أحد المستشعرات.
وقد أدّت هذه المشكلات إلى تأخير الإطلاق لمدة 11 دقيقة، قبل أن تشتعل المحركات وترفع الصاروخ، الذي يبلغ ارتفاعه 322 قدماً ويزن نحو 5.75 ملايين رطل، مُحدثةً هديراً قوياً امتد عبر سماء فلوريدا.
وبعد الإقلاع، رصدت الفرق عدداً من المشكلات التقنية التي احتاجت إلى معالجة، من بينها "خلل في نظام التحكم بمرحاض المركبة عند تشغيله"، وفق ما أوضح أميت كشاتريا، المسؤول في "ناسا"، خلال مؤتمرٍ صحافيٍّ بعد الإطلاق. وأضاف: "نحن في بداية الطريق فقط". كما أشار إيزاكمان إلى مشكلةٍ مؤقتة في الاتصالات مع المركبة، جرى حلّها لاحقاً. وأكد أن الروّاد "بأمان، وفي حالةٍ جيدة، ومعنوياتهم مرتفعة".
أرقام قياسية
وبات الروّاد الآن في مدارٍ حول الأرض، حيث سيبقون لبعض الوقت لإجراء سلسلةٍ من الفحوص، بهدف التأكد من موثوقية وسلامة المركبة الفضائية التي لم تنقل بشراً من قبل. وقد نجحوا في تنفيذ اختبارات "عمليات القرب"، التي تقيس قدرة كبسولة "أوريون" على المناورة بالنسبة إلى مركبةٍ أخرى، وتضمنت مناوراتٍ تحاكي عمليات الالتحام المستقبلية مع مركبة هبوطٍ قمرية. وقال الطيار فيكتور غلوفر: "كان التحليق رائعاً معكم يا هيوستن، مركبة ممتازة".
ومن المقرر أن تُشغّل المركبة محركاتها لاحقاً للتوجه نحو القمر، حيث ستصل إليه وتدور حوله، بما في ذلك المرور فوق الجانب البعيد الذي لم يره البشر من قبل. وستسجّل المهمة رقماً قياسياً كأبعد مسافة يقطعها البشر عن الأرض، ببلوغ نحو 252,799 ميلاً، متجاوزةً الرقم السابق الذي حققه طاقم "أبولو 13". ورغم أن المهمة تسير بشكلٍ جيد حتى الآن، فإن الجزء الأكبر منها لا يزال أمامها، إذ أكد إيزاكمان: "سنؤجل الاحتفال حتى يعود الطاقم بسلام ويهبط في المحيط".
وفي حال سارت الأمور كما هو مخطط، يُتوقع أن ينطلق طاقم "أرتميس 2" يوم الخميس في رحلةٍ تستغرق ثلاثة أيام نحو القمر، قبل أن يدوروا حوله لالتقاط صورٍ جديدة وإجراء ملاحظاتٍ بالعين المجرّدة. ومن المنتظر أن تستمر الرحلة نحو 10 أيام إجمالاً، على أن تمهّد الطريق لهبوطٍ بشري على القمر في عام 2028. وتمثّل المهمة سلسلةً من الإنجازات التاريخية، إذ ستشهد إرسال أول شخصٍ من ذوي البشرة الملوّنة، وأول امرأة، وأول غير أميركي في مهمةٍ قمرية. كما تُعد هذه أول رحلةٍ مأهولة لصاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" الجديد.
4 رواد فضاء في طريقهم إلى القمر
جميع روّاد الفضاء الأميركيين الثلاثة المشاركين في مهمة "أرتميس 2" القمرية هم من أصحاب الخبرة في بعثات علمية ضمن مدار الأرض على متن "محطة الفضاء الدولية"، في حين يُعدّ الكندي الوحيد المنضم إليهم في الرحلة حول القمر والعودة مبتدئاً في رحلات الفضاء. وفي ما يلي أبرز المحطات في مسيرة قائد المهمة ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، واختصاصية المهمة كريستينا كوخ، وجميعهم من "ناسا"، إلى جانب رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، وهو أيضاً اختصاصي مهمة:
أمضى وايزمان (50 عاماً) 165 يوماً على متن "محطة الفضاء الدولية" خلال مهمة عام 2014، حيث وصل إلى المحطة على متن مركبة "سويوز" الروسية. وهو طيّار اختبار سابق في البحرية الأميركية، وشغل لاحقاً منصب كبير روّاد الفضاء في "ناسا"، قبل اختياره لقيادة مهمة "أرتميس 2".
قضى غلوفر (49 عاماً) 168 يوماً في المدار ابتداءً من عام 2020، بصفته طيار مهمة "كرو-1"، وهي أول مهمة تشغيلية كاملة إلى "محطة الفضاء الدولية" باستخدام كبسولة "كرو دراغون" التابعة لشركة سبايس إكس لنقل الروّاد. وقبل انضمامه إلى "ناسا"، قاد أكثر من 40 طائرة خلال خدمته في البحرية الأميركية، التي شملت مهام قتالية وأعمال اختبار. ويُعدّ من المخضرمين في السير الفضائي، إذ شارك في أربع مهمات، وهو أول رائد فضاء أسود يُشارك في مهمة قمرية.
سجّلت كوخ (47 عاماً) رقماً قياسياً عام 2019 لأطول رحلة فضائية متواصلة لامرأة، بعدما أمضت 328 يوماً على متن "محطة الفضاء الدولية"، كما شاركت في أول ثلاث مهمات سيرٍ فضائي نسائية بالكامل في تاريخ "ناسا". وهي مهندسة كهرباء وفيزيائية، وعملت سابقاً مهندسة في الوكالة، كما شاركت في بعثات بحثية طويلة في القارة القطبية الجنوبية. وتُعدّ أول امرأة تشارك في مهمة متجهة إلى القمر.
هانسن (50 عاماً)، عقيد في سلاح الجو الملكي الكندي، هو أول كندي وأول غير أميركي يُشارك في مهمة قمرية، رغم أنها تمثّل أول رحلة فضائية له. وقد اختير ضمن برنامج روّاد الفضاء الكندي عام 2009، ويعكس انضمامه إلى "أرتميس 2" شراكة طويلة بين الولايات المتحدة وكندا في مجال الرحلات الفضائية المأهولة، بما في ذلك مساهمات كندا في أنظمة الروبوتات المستخدمة على متن "محطة الفضاء الدولية".
وصُمّم هذا الصاروخ لتمكين الولايات المتحدة من العودة المتكررة إلى القمر، بهدف إنشاء قاعدةٍ دائمة تُستخدم منصةً لمزيدٍ من الاستكشاف. ونوه كيسي دراير، رئيس سياسة الفضاء في "جمعية الكواكب" إلى أن "ناسا بحاجةٍ ماسة إلى هذا النجاح حالياً"، مشيراً إلى الاضطرابات في الميزانية ومغادرة عددٍ من الموظفين، ما أثّر في معنويات الوكالة.
ويواجه برنامج "أرتميس" ضغوطاً من ترامب، الذي يسعى إلى تسريع وتيرته أملاً في تحقيق هبوطٍ بشري قبل نهاية ولايته الثانية مطلع عام 2029. لكن تحديد عام 2028 موعداً محتملاً للهبوط أثار شكوك بعض الخبراء، لا سيما في ظل اعتماد واشنطن على التقدم التكنولوجي للقطاع الخاص.
وفي وقتٍ سابق من اليوم نفسه، كتب ترامب على منصة "تروث سوشال" أن الولايات المتحدة "تفوز"، مضيفاً: "اقتصادياً، وعسكرياً، والآن... ما بعد النجوم. لا أحد يقترب منا. أميركا لا تنافس فقط، بل تهيمن، والعالم بأسره يراقب".

Related News
مخالفات البناء تتوسع في حلب... ومخاوف من كوارث
alaraby ALjadeed
17 minutes ago