رسالة لاريجاني الأخيرة: لماذا تُركت إيران وحيدة؟
Arab
1 week ago
share
رحل علي لاريجاني إلى الدار الآخرة، وفيه حسرةٌ عبّر عنها في رسالته التي نقلتها عدة مواقع للتواصل الاجتماعي، ولعلّها كانت آخر ما خطّه قبل موته الغادر. وقد توجّه بها يوم 16 من مارس/ آذار الجاري إلى العالم الإسلامي، ووردت في ستّ نقاط تدور جلّها حول عدم وقوف الدول الإسلامية مع إيران في الحرب التي تشنّها عليها أميركا وإسرائيل. غير أن أشهر عبارة ظلّت عالقةً في أذهان الناس، ومثار تعليقاتهم، هي التي تساءل فيها، وفي لحظة غصّة ملؤها الاستغراب والاستنكار، فقال: "أيُّ إسلام هذا!". هي زفرة مؤلمة قبيل موته بقليل، ويقال إنّ لكلّ ميت زفرة، وزفرة لاريجاني عبارته هذه، والتي كان قيها يشير إلى "إسلام" تحدّدت قسماته منذ عقود. قاد الرجل مفاوضات وأدار أعتى الأجهزة العسكرية والأمنية، فضلاً عن تكوين صلب في الفلسفة. يعمد الناس إلى تجميل موتاهم، ويقال إنّ الرسول قال: "اذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساوئهم"، هذا إذا كان للميت سيئات، فما بالك بعلي لاريجاني، إذ يضعه أتباعه ومريدوه في مرتبة نصف قدسية أو أكثر. لم يخطئ لاريجاني في قراءة الواقع إذ ظلّت المواقف الرسمية تقول نصف الحقيقة، تدين العدوان الإيراني على دول الخليج (وهو طبعاً مدان)، وتصمت عن إدانة المعتديَين: أميركا وإسرائيل كلّ صورة تُرسم للموتى تظلّ، رغم نبلها ورقيها، محلَّ تحفّظ ممن يحتفظون بصورة مختلفة، وأحياناً مغايرة، لتلك التي رسم الموت قسماتها. لسنا بصدد عرض خصال علي لاريجاني ولا عرض أفكاره أو مواقفه السياسية، فالأمر عندنا يتعلّق تحديداً بتلك الزفرة الأخيرة التي كانت مليئةً بالخيبة والحسرة. يذكر لاريجاني صراحةً في النقطة الثالثة من الرسالة تلك أن "أيّ دولة إسلامية لم تقف معنا"، وهي التي يشير فيها أيضاً إلى موقف الدول الإسلامية "المخالفة للأحاديث النبوية التي توجب نجدة المسلم للمسلم"، خاتماً هذه النقطة (الثالثة) بعبارة "أيُّ إسلام هذا!". ما يهم هذا المقال تحليل الرسالة والوقوف على معانيها ودوافعها، خصوصاً تلك الحسرة اليائسة التي ظلّت مرارتها عالقةً في حلقه إلى آخر لحظة قبل وفاته. ... يدور مضمون الرسالة كلّها، كما جاء أعلاه، حول فكرة رئيسة هي عدم وقوف الدول الإسلامية (النظم الرسمية والشعوب) مع إيران في حربها ضد أميركا وإسرائيل، وهي حرب كان يُفترض أن يصطفّ فيها المسلمون، شعوباً ونظماً، مع إيران، وهي الدولة المسلمة التي اعتدي عليها، وهذا هو الموقف السليم والمتوقّع. فهذه الحرب الظالمة التي لا سند لها في القانون الدولي، ما يفقدها أيّ شرعية أو مشروعية، تستوجب مساندةً من أحرار العالم عموماً، فما بالك بالدول الإسلامية. ومع ذلك كلّه، فإنّ شيئاً من هذا لم يحصل، بل إنّ الدول الإسلامية قاطبةً أحجمت عن اتخاذ موقف مساند لإيران، لتظلّ إيران وحيدةً في مواجهة العدوان. الاستنتاج الذي انتهى إليه لاريجاني صحيح، لم يخطئ الرجل في قراءة الواقع وتشخيصه. ظلّت المواقف الرسمية التي عبّرت عنها النظم تقول نصف الحقيقة، تدين العدوان الإيراني على دول الخليج (وهو طبعاً مدان ولا يقبل المبرّرات التي تقدّمها طهران)، ذلك أن حتى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد عبّر في أكثر من مرّة عن حرج ردّات الفعل هذه، معتذراً في الوقت نفسه عنها، رغم أنه لا يملك سلطة القرار، بدليل أنّ تلك التصريحات كلّها ذهبت سدىً وتواصل استهداف دول الخليج. ولكن هذه الدول تصمت عن إدانة المعتديَين: أميركا وإسرائيل. لا تختلف هذه المواقف الرسمية التي عبّرت عنها الدول الإسلامية كثيراً عن المواقف الشعبية عموماً، إذ لم نشهد مثلاً موجة من التظاهرات الشعبية الكبرى في مدن العالم العربي وشوارعه، تحديداً على خلاف التظاهرات التي عاشتها في أثناء العدوان الأميركي على العراق، أو العدوان الصهيوني على لبنان سابقاً، أو الحرب الوحشية على غزّة مثلاً. وقد حال (ولا يزال) وضع الحريات العامة وحقّ التظاهر من دون أن "يعبّر الرأي العام العربي" عن مواقفه مما يحدث في عالمه بكل حرية. ولكن، وبقطع النظر عن هذا العامل، ظلّ المزاج العام العربي غير متحمّس لإسناد إيران. قد يكون الشارع هذا قد أُنهك واستُنزفت عواطفه في الوقوف مع غزّة، ولكن هذه العوامل لا تبرّر وحدها حالة الاستكانة تلك، وهو ما يستوجب منّا استحضار العوامل التي حدّدت هذا الموقف. فلا يمكن إنكار أنّ تورّط إيران في الحرب الأهلية السورية، ومناهضتها تطلّعات الشعب السوري، إلى حدّ التنكيل به من خلال مختلف المليشيات التي وظّفتها على أساس طائفي، قد كشف وجهاً قبيحاً قاد مواقف إيران في قضايا عديدة. كما أن وقوفها عموماً ضدّ "الثورات العربية"، وشعور الإسلاميين آنذاك بخذلانها لهم، قد رسّخ هذه المشاعر. وللتذكير، ساندت إيران خصوم الإسلاميين، وقد تصدّروا المشهد آنذاك، من اليسار والقوميين. تدخّلت إيران، على سبيل المثال، في المؤتمر القومي العربي، ووظّفته لتعزيز مواقف النُّخب القومية واليسارية المناهضة لطموحات التحرّر التي جرفت الجماهير في الثورات العربية (كان كاتب هذا المقال شاهداً على ما جرى في بعض المؤتمرات، إذ ساند المؤتمر العربي قمع النظام المصري الاعتصام في ميدان رابعة، وأيّد انقلاباً سياسياً آنذاك). أخطأت إيران في مواقفها من جيرانها حين انحرفت بثورتها من ثورة إسلامية أممية إلى ثورة طائفية لم تتّعظ إيران من مواقف الدول العربية، وحتى الإسلامية، من حرب ال12 يوماً، فحتى الشارعان العربي والإسلامي عموماً ظلّا ينظران إلى تلك الحرب وكأنها تستهدف بلداً لا تجمعه به أواصر الجيرة والأخوّة الدينية. لم تبادر إيران بعد تلك الحرب مطلقاً إلى مراجعة مواقفها، ولو بشكل ضمني، ما يضمن لها ماء الوجه. عوّلت إيران على وكلائها في المنطقة باعتبارهم أذرعها الطويلة، سواء في لبنان أو اليمن أو العراق، ضمن منظور طائفي، والحال أن الأمر أكثر تعقيداً. لا يعني هذا أن النظم العربية لم تبادلها مشاعر التحفّظ وحتى العداء، ولكن هذه النظم، على عيوبها، لم تتورّط في تغذية النزعة المذهبية أو الأقلوية فيها. تقف اليوم إيران وحدها في حرب ظالمة، وتخوضها للدفاع عن نفسها أولاً، ولمواجهة خطر التمدّد الصهيوني الذي عبّر عنه دون مواربة نتنياهو، الذي يتباهى أنه بصدد "تغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيله"، وأن مشروع إسرائيل من الفرات إلى النيل قيد التحقيق. والثابت أنّ إيران أخطأت في مواقفها من جيرانها حين انحرفت بثورتها من ثورة إسلامية أممية إلى ثورة طائفية، والمؤكّد أيضاً أنّ حساباتها القومية قد جعلتها تنظر إلى باقي القوميات الأخرى، ومنها العرب، بكثير من الاستعلاء والحرص على الإلحاق، فضلاً عن خذلان الثورات العربية التي كان يمكن أن تكون أخواتها الصغرى. غير أن طبيعة النظام هناك، المناهضة للحرية والتعدّد والديمقراطية، زادت في مسافة الجفاء بينها وبين الشعوب العربية، فضلاً عن الأنظمة (الدول). ومع ذلك كلّه، نخشى أن نردف زفرة لاريجاني قريباً بترداد المأثور العربي: "أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows