Arab
يمثل حقل الشمال للغاز (North Field) العمود الفقري لـاقتصاد قطر، وأحد أهم مكامن الطاقة في العالم، ليس فقط بحجمه القياسي، بل أيضاً بدوره في إعادة تشكيل خريطة تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. ويقع حقل الشمال في شمال شرقي قطر، في المياه الضحلة من الخليج، ويمتد تحت قاع البحر ضمن ما يُعرف جيولوجياً ببنية "القبة الشمالية" في المنطقة البحرية المقابلة لرأس لفان. ويُعد الحقل جزءاً من تركيب جيولوجي هائل مشترك بين قطر وإيران (بارس الجنوبي)، يُعرف في الأدبيات الفنية باسم حقل "نورث دوم/ساوث بارس".
ويمتد الحقل على مساحة تقارب ستة آلاف كيلومتر مربع داخل الحدود البحرية القطرية، من أصل نحو 9700 كيلومتر مربع تمثل كامل المكمن المشترك بين البلدين. وتقع منشآت التسييل والتصدير الرئيسة المرتبطة بالحقل في مدينة رأس لفان الصناعية، التي تطورت خلال العقود الماضية لتصبح واحدة من أكبر مراكز صناعات الغاز المسال والبتروكيماويات في العالم. وقد تعرضت هذه المنشآت لهجمات صاروخية إيرانية، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ما أدى إلى تعطيل وحدتين من أصل 14 وحدة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى إحدى محطتي تحويل الغاز إلى سوائل.
وبحسب وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة سعد بن شريدة الكعبي، ستؤدي أعمال الإصلاح إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات. وكشف الكعبي أن الهجمات عطلت نحو 17% من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، ما تسبب في خسائر تُقدّر بنحو 20 مليار دولار سنوياً، ويهدد الإمدادات إلى أوروبا وآسيا.
الحجم والاحتياطيات والإنتاج
يُعد حقل الشمال أكبر حقل غاز غير مصاحب للنفط في العالم، ويضم نحو 10% من الاحتياطيات المؤكدة للغاز عالمياً، وفق تقديرات رسمية. وتشير بيانات فنية إلى أن الحقل يحتوي على أكثر من 900 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز القابل للاستخراج في الجانب القطري فقط، ما يمنح قطر قاعدة إنتاج تمتد لعقود. وفي فبراير/ شباط 2024، أعلنت "قطر للطاقة" اكتشاف كميات إضافية هائلة في القطاع الغربي من الحقل، تُقدّر بنحو 240 تريليون قدم مكعبة، ما رفع الاحتياطيات الغازية للدولة من نحو 1760 إلى أكثر من 2000 تريليون قدم مكعبة، مع زيادة احتياطيات المكثفات من 70 إلى أكثر من 80 مليار برميل. ويعزز هذا التحديث موقع قطر بوصفها أحد أكبر مالكي احتياطيات الغاز في العالم، ويمنح مشاريع التوسعة قاعدة قوية على المدى الطويل. ويغذي الحقل مجمعات الغاز في رأس لفان بكميات تقارب ستة مليارات قدم مكعبة يومياً ضمن مشروع التوسعة الشرقي، مع خطط لرفع الطاقة التصميمية إلى أكثر من 171 مليار متر مكعب سنوياً بحلول نهاية 2026.
تعود قصة حقل الشمال إلى عام 1971، وفي هذا السياق، يقول عبد الله بن حمد العطية، نائب رئيس الوزراء القطري ووزير الطاقة والصناعة الأسبق، في حديث سابق لـ"العربي الجديد" (12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017)، إن اكتشاف الحقل شكّل صدمة، لكونه غازاً وليس نفطاً، في وقت لم تكن فيه للغاز قيمة تُذكر. وأضاف أن شركة "شل" البريطانية الهولندية كانت تتوقع وجود النفط، لكنها أعادت الامتياز للدولة بعد اكتشاف الغاز، معتبرة أنه غير ذي جدوى، قبل أن تتغير النظرة إليه في التسعينيات مع صعود أهمية الغاز الطبيعي المسال، لا سيما في آسيا. واستغرق تقييم الحقل نحو 14 عاماً من أعمال الحفر التقييمي، قبل بدء الإنتاج الفعلي في مطلع التسعينيات عبر مشروع "ألفا"، الذي مثّل أول استغلال تجاري. وتتابعت مراحل التطوير مع إنشاء شركتي "قطرغاز" و"راس غاز"، وبناء مجمعات التسييل في رأس لفان، لتتحول قطر سريعاً إلى لاعب رئيسي في سوق الغاز المسال. أما في الجانب الإيراني، فلم يُؤكد امتداد الحقل (بارس الجنوبي) إلا في بداية التسعينيات، بعد أعمال مسح زلزالي متقدمة، ما أبرز طبيعته المشتركة بين البلدين.
الشراكة الجيولوجية مع بارس الجنوبي
جيولوجياً، يُعد حقل الشمال امتداداً طبيعياً لحقل بارس الجنوبي الإيراني، ويشكلان معاً أكبر حقل غاز منفرد في العالم. تبلغ مساحة الجانب الإيراني نحو 3700 كيلومتر مربع، مقابل نحو ستة آلاف كيلومتر مربع في الجانب القطري، ما يعني أن الجزء الأكبر يقع ضمن المياه القطرية. وتشير التقارير إلى أن هذا الحقل المشترك يحتوي على نحو خُمس الاحتياطيات المكتشفة عالمياً، ما يجعله أحد أهم أصول الطاقة استراتيجياً. ويفرض هذا التداخل الجيولوجي تحديات وفرصاً في إدارة التطوير، إذ تتداخل الضغوط داخل المكمن، ما يفتح نقاشاً دائماً حول وتيرة الإنتاج وتأثيرها المتبادل. إقليمياً، يضفي الحقل بعداً جيواستراتيجياً على العلاقات القطرية-الإيرانية، حيث يتقاطع ملف الطاقة مع السياسة والأمن.
ويشكل الحقل قاعدة الثروة الغازية التي بُنيت عليها استراتيجية قطر للتحول إلى قوة طاقة عالمية، خصوصاً في سوق الغاز الطبيعي المسال. ومن خلاله، طورت قطر منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والمعالجة والتسييل والتصدير، إلى جانب صناعات مرتبطة مثل البتروكيماويات والهيليوم وسوائل الغاز. وقد ساهمت هذه المنظومة في تعزيز الإيرادات وتنويع الشراكات، خصوصاً مع دول شرق آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية، الصين)، ومع أوروبا بعد أزمة الغاز الروسية عام 2022. كما منح الحقل قطر وزناً سياسياً متزايداً، وجعل عقود الغاز طويلة الأجل جزءاً أساسياً من أمن الطاقة العالمي. أما محلياً، فساهمت عوائد الحقل في تمويل مشاريع البنية التحتية وبرامج التنمية وصندوق الثروة السيادي، بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، إلى جانب خلق فرص عمل وتطوير بيئة صناعية متقدمة في رأس لفان.
مشاريع توسعة حقل الشمال: شرقاً وجنوباً وغرباً
تعتمد "قطر للطاقة" على ثلاث مراحل رئيسة لتوسعة حقل الشمال: الشمال الشرقي، الشمال الجنوبي، والشمال الغربي.
الشمال الشرقي
يرفع الطاقة الإنتاجية بنحو 33 مليون طن سنوياً، ليصل الإجمالي إلى 110 ملايين طن بحلول نهاية 2026، مع إدخال تقنيات حديثة لخفض الانبعاثات.
الشمال الجنوبي
يضيف نحو 16 مليون طن سنوياً، مع بدء الإنتاج المتوقع في 2027، مع اعتماد تقنيات لتحسين الكفاءة وخفض البصمة الكربونية.
الشمال الغربي
أُعلن عنه في 2024، ويضيف نحو 16 مليون طن سنوياً، ليصل إجمالي القدرة التصديرية إلى نحو 142 مليون طن سنوياً بنهاية العقد. وترفع هذه التوسعات مجتمعة الطاقة الإنتاجية بنحو 85%، ما يعزز موقع قطر أكبر مصدر منفرد للغاز المسال عالمياً.
وتعتمد قطر على أحدث التقنيات في الحفر والمعالجة والتسييل، بما يشمل استرجاع بخار الغاز وتحسين كفاءة التوربينات، إضافة إلى دراسة احتجاز الكربون وتخزينه. كما تُصمم المنشآت وفق أعلى معايير السلامة وحماية البيئة البحرية، ما يمنح قطر ميزة تنافسية في الأسواق التي تركز على المعايير البيئية، خصوصاً أوروبا. ومع اكتمال التوسعات، يتجه حقل الشمال ليكون المصدر الرئيس لإحدى أكبر طاقات تصدير الغاز المسال في العالم، بقدرة تصل إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول 2030. وسيكرّس ذلك دور قطر لاعباً محورياً في أمن الطاقة العالمي، في ظل التحولات نحو الغاز باعتباره مصدراً انتقالياً في مزيج الطاقة. في المقابل، تستمر المنافسة مع الجانب الإيراني، رغم القيود التقنية والعقوبات، بينما تميل الأفضلية لصالح قطر بفضل بنيتها التحتية المتقدمة.
وأدى الهجوم الإيراني على رأس لفان يومي 17 و18 مارس/ آذار الحالي إلى أضرار كبيرة، مع اندلاع حرائق وتعطيل وحدات تصدير رئيسية، ما تسبب في توقف مؤقت للشحنات وارتفاع علاوة المخاطر في الأسواق. وأدانت قطر الهجوم، مؤكدة اعتراض معظم الصواريخ، إلا أن الأضرار أثرت على الإنتاج الفوري. وتثير هذه التطورات مخاوف من تصعيد "حرب الطاقة" في الخليج، بما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتأخير مشاريع التوسعة، والضغط على الأسعار العالمية. ورغم ذلك، أظهرت قطر قدرة على الاستجابة السريعة، لكن استمرار التوترات يفرض تحديات على استقرار الإمدادات.
لم يعد حقل الشمال مجرد حقل غاز عملاق، بل تحول إلى رافعة استراتيجية لسياسة قطر الاقتصادية والخارجية، وعنصر حاسم في معادلة الطاقة العالمية. ومع استمرار الاستثمارات والتوسعات، سيبقى الحقل في قلب المشهد الطاقي العالمي، مؤكداً دور الغاز القطري في تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات والتحول الطاقي، رغم التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.

Related News
شرطة باريس تحتجز ريما حسن
alaraby ALjadeed
6 minutes ago
«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر
aawsat
11 minutes ago
تحركات خليجية لضمان الأمن وسلاسل الإمداد
aawsat
15 minutes ago