عربي
مرّت يوم 24 إبريل/ نيسان الجاري ذكرى المجازر التي تعرّض لها الأرمن في الدولة العثمانية عامي 1915و1916. ذكرى أليمة ما زالت تنغّص العلاقات بين الشعبين والدولتين، التركية والأرمنية، رغم مرور 111 سنة على حصولها، حيث لم تنجح الدبلوماسية في رأب الصدع وتطبيع العلاقات بينهما بالكامل، مع أن الظروف السياسية والأمنية دفعت الدولتين إلى كسر الجليد باتخاذ خطوات صغيرة، مثل تعيين مبعوثين خاصين عام 2021، وتنظيم رحلات طيران بين عاصمتي البلدين في الشهر الماضي (مارس/ آذار).
... عشتُ طفولتي ومراهقتي وبداية شبابي في مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة السورية، وهي مدينة متعدّدة الأديان والأعراق والثقافات، ففيها عرب وكرد وسريان وآشوريون وأرمن، مسلمون ومسيحيون وإيزيديون. وقد عملت في طفولتي في عطل صيفية عند نجار أرمني، كان صديقاً لوالدي، وكان يرسلني إلى بيته محمَّلاً بلوازم الأسرة، وكي يسهل عليّ التفاهم مع أسرته التي لا تجيد العربية، كان يزوّدني بقطعة خشب مبسطة كتب عليها باللغة الأرمنية ما يريد إبلاغه لهم. وقد تعرفت من خلال تردّدي على منزل معلمي إلى الحيّ الأرمني في المدينة الذي يتربع في محيط مطحنة الأرمني "مانوك".
بعدها بأعوام، عملت في مرأب للشاحنات، وكان جزءاً من عملي اصطحاب السائقين إلى محلات صيانة الشاحنات، وأغلبهم من الأرمن الذين عُرفوا بالمهارة والكفاءة العالية مع دماثة الخُلق، وقد صودف أنني رافقت سائقاً من حلب إلى محل ميكانيكي (مكانسيان باللهجة المحلية)، وفوجئت به يتحدّث إليه باللغة الأرمنية مع أنه مسلم. سألته خلال العودة عن الأمر، فقال إن نسبة كبيرة من سكان حلب من الأرمن، وإنه يعيش بينهم، وقد تعلّم لغتهم وأشاد بهم وبأخلاقهم ومهارتهم وبجمال بناتهم، وقال إنه يُحب بنتاً من بناتهم.
توسّعت معارفي عن هذه الجماعة، من دون أن أسأل عن أصلهم وعن خلفياتهم العرقية، حيث كان المركزي في المعرفة بالنسبة إلى وعيي آنذاك كونهم غير مسلمين. بعدها، حدث ما أثار اهتمامي بموضوع أصلهم وتاريخهم، وما حصل لهم، فقد بدأ بعض الأرمن ببيع أثاثهم وبيوتهم، بعد أن سُمح لهم بالعودة الى أرمينيا السوفييتية، فانكشف بعضٌ من سيرتهم وأصلهم.
وكانت الثانية مصادفة جمعتني بأرمني مسلم. ففي رحلة مدرسية من مدينتي دير الزور إلى مدينة القامشلي، شارك فيها ابن خال لي، استقبلته في وسط المدينة كي أصطحبه إلى بيتنا، وإذا برفقته زميل له، عرّفني به باسمه الثلاثي، خلف علي الأرمني، فضحكت وسألتُه إن كان يمازحني، فكيف يكون خلف وعلي وأرمني، والأرمن مسيحيون، فسرَد خلف على مسامعي فصلاً من فصول التغريبة الأرمنية التي بدأت عام 1915 وما تخلّلها من تعب وجوع وألم وموت برصاص القوات العثمانية. قال إن والده كان صبياً ضمن قافلة المهجّرين قسراً، وفي منطقة مركدة، وهي قرية بين الحسكة ودير الزور، تدخّل سكان القرية العرب ومنعوا القوات العثمانية من إلحاق الأذى بهم، على سنّة الدخول بالجوار العربية التي تقضي الحماية، ونقلوا الجميع إلى القرية وأسكنوهم ودمجوهم بالسكان، ومع الأيام تحولوا إلى الإسلام وتزوجوا بمسلمات.
تقول الرواية الأرمنية إنهم شعب غير تركي، ومن حقهم الاهتمام بثقافتهم الخاصة والمطالبة بتقرير مصيرهم
عدنا إلى دير الزور عام 1970، وتوثقت علاقتي بخلف الأرمني، وزرته في بيته وتعرّفت إلى والده علي الأرمني الذي اعتذر عن عدم الحديث في الموضوع، لأنه يثير أحزانه الدفينة على أهله وأصدقائه. تتبعت الحالة، فاكتشفت وجود آخرين في مدينة دير الزور وريفها، بينهم حماة أخي الكبير مهيدي، وأن الحالة قد أفرزت حالات طريفة باحتفاظ أصحابها بأسمائهم المسيحية بعد إسلامهم، فترى شخصاً اسمه يعقوب، وهو مسلم، وآخر اسمه إلياس، وهو مسلم.
بالعودة الى كتب التاريخ والروايتين، التركية والأرمنية، يواجه المرء تبايناً يثير الحيرة، فلكلٍّ أسبابه ودوافعه التي يعتبرها تبرّر ما قام به أسلافه. فالأتراك يتهمون الأرمن بموالاة الروس في فترة حرب بين البلدين، وإثارة قلاقل تضعف الجبهة الداخلية، وإن ما جرى من قتل/ مجازر رد فعل غير منظم أو ممنهج، مع تحميل البعثات التبشيرية الأجنبية، وبخاصة الأميركية، مسؤولية مباشرة بإثارة الروح القومية بين المسيحيين، بمن فيهم الأرمن في تركيا.
تقول الرواية الأرمنية إنهم شعب غير تركي، ومن حقهم الاهتمام بثقافتهم الخاصة والمطالبة بتقرير مصيرهم، وإنهم تحرّكوا لتحقيق هذا أسوة بما حصل عليه البلغار واليونان والألبان، فكان جزاؤهم مجازر وتهجيراً خارج أرض وطنهم، لأن دعوتهم الوطنية تتعارض وتتناقض مع المشروع الطوراني الذي طرحه زيا كوكالب، أبو القومية التركية، وتبنته جمعية الاتحاد والترقي التي حكمت تركيا بدءاً من 1908.
نقل توماس. آ. بريسون في كتابه "العلاقات الدبلوماسية الأميركية مع الشرق الأوسط من 1784 إلى 1975" اعتراف السلطة الأميركية ببعث المبشرين "القومية الثقافية"، وتحميلها روسيا وفرنسا مسؤولية تشجيع "القومية السياسية"، وأورد سبب اتهام تركيا الأميركيين، ذلك أن الأرمن كانوا يهاجرون إلى أميركا ويعودون بعد أن يحصلوا على الجنسية، ويصبحون تحت الحماية الأميركية لمواصلة النضال من أجل إقامة وطن قومي لهم. وأشار إلى تعاطف الأميركيين مع قضيتهم وتشكيلهم منظّمات أميركية لمساعدتهم بجمع الأموال والضغط على السلطة الأميركية لتبنّي قضيتهم، ذكر منها منظمة "أصدقاء أرمينيا" التي تشكلت في بوسطن عام 1894، ومنظمة "اللجنة القومية لنجدة الأرمن" التي تشكلت في نيويورك عام 1895، بعد ارتكاب أولى المجازر بحقهم في منطقة "ساسون" بأرمينيا التركية عام 1894 و1895، وهي مجازر اعتبرها حنا عيسى توما في دراسته الموثقة "المأساة الأرمنية – السريانية خلال الحرب العالمية الأولى" بروفا لمجازر كبرى ارتكبتها حكومة الاتحاد والترقي يوم 24/4/1915 في شكل ممنهج ومخطّط نفذته بالتنسيق بين طلعت باشا، وزير الداخلية والمسؤول عن المدنيين، وأنور باشا وزير الدفاع والمسؤول عن طوابير السخرة.
لماذا لا يبدأ الحكم في تركيا بفتح الأرشيف العثماني والاستعانة بما يتضمنه عن هذه المجازر فيخرج الملف من التوظيف من خصوم تركيا
وقد وصف المؤرّخ أرنولد توينبي ما حدث: "كان الرجال يهرعون إلى مبنى الحكومة حال سماعهم المنادي ينادي بوجوب تقديم أنفسهم شخصياً إلى دار الحكومة، وهناك ومن دون إعطاء أيّ سببٍ يلقون في السجن أياماً عدّة، ثمّ يؤخذون خارج المدينة حفاة مقيّدين بعضهم إلى بعض بالحبال. وعند أوّل فرصة سانحة في مسيرتهم الطويلة، ينفرد الجنود بالرجال ويذبحونهم، ثمّ يخطفون الأطفال والنساء ويشنعون بهم ويستحوذون على ما لديهم. وفي ما عدا مدن أو محافظات بدليس وموشى وساسون التي أُبيد جميع من فيها، رُحِّل الأطفال والنساء الباقون على قيد الحياة في قوافل تمشي من مدينة إلى أخرى حيث كان أفرادها فريسة عصابات خاصة أشرفت على تنظيمها السلطات الرسمية التابعة لوزارة الداخلية التركية، من طريق حرّاس انتدبوا لمواكبة قوافل المهاجرين وحماية من فيها، أو كانوا عرضة لمهاجمة الفلاحين الأكراد والأتراك".
وكتب المؤرّخ الأرمني آرام أندويان: "ذهب عديد من الضحايا الأرمن من رجال ونساء وأطفال في المجازر الثلاث التي حصلت سنة 1916. الأولى في رأس العين، حيث قتل أكثر من 70 ألف شخص، والثانية في أنتيللي حيث قضي على أكثر من 50 ألف نسمة كانوا يعملون في حفر نفق بغداد، والثالثة أشدّ رهبة وبشاعة في دير الزور، حيث قتل زيّا بك أكثر من مائتي ألف نسمة. لقد اقتيد من بقي على قيد الحياة، من مناطق كيليكيا ومحطّات أخرى، إلى الصحراء السورية حيث التقوا أناساً من المناطق الأرمنية الستّ ومن مدن شواطئ البحر الأسود. كان اللقاء بين النساء والأطفال دون السابعة فقط. فلقد أُعدِم كل شخص تجاوز هذه السنّ".
في ذكرى هذه المجازر، من المنطقي توجيه أسئلة إلى الحكم في تركيا: لماذا لا يبدأ بفتح الأرشيف العثماني والاستعانة بما يتضمنه عن هذه المجازر فيخرج الملف من التوظيف من خصوم تركيا باعتمادهم على المراجع الغربية، ويعترف بالمجازر بعد تقديم سرديته الخاصة المؤسّسة على هذا الأرشيف، بحيث يضعها في مكانها وحجمها، ويعتذر للشعب الأرمني إن تأكدت الرواية الأرمنية والغربية المتداولة عن مجازر ممنهجة، مستنداً إلى إسلاميته، التي تحرّره من اتهام الأحزاب والجمهور التركيين باستهداف الإسلام، وديمقراطيته، التي تلجم خصومه السياسيين الذين يعلنون الالتزام بمبادئها، التي تقضي بالاعتراف بالآخر، وبحقّه في الاختيار وتقرير المصير، واستكمال المصالحة مع الواقع والذات، بخاصة وهي تسعى لإغلاق الملف الكردي، بالاتفاق مع الكرد في تركيا، وتحرير المستقبل من عقد الماضي.

أخبار ذات صلة.
روسيا لن تنشر معدات عسكرية في عرض 9 مايو
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق
الكتابة لا تكفي؟
العربي الجديد
منذ ساعة