عربي
كثيراً ما تنتجُ الكتابة عن هشاشة وانطواء، لأنَّها نوعٌ من الاستغراق الطويل أو التأمّل الحادّ في ما يحيط بالكاتب. لكنها لا تبقى كذلك، إذ ما إنْ يُنتجَ الكاتبُ كتاباً، حتى يخرج فعل الكتابة عن ذلك العالم الداخلي الحميم والخبيء، فيصبح الكتابُ منتجاً في السوق، ليس بالمباشرة التي تقترحها الجملة، إنما بصورة ما يفقدُ الكاتبُ ملكيتَه لكلماته، وتصبح ملكَ أحدٍ آخر، هو الناشر، وهو القارئ، وهو أيّ كان، عدا الكاتب نفسه.
مع ذلك،لا يتيحُ نشرُ الكتاب الانفصال الكامل عن المؤلف، باعتبار أنَّ كتابه منتجه هو، وقد يضطر إلى إخبار الآخرين عنه، وهذا سلوكٌ طبيعي، لأن إشهار الكتاب جزء من صناعته. لكن ضغط حضور وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، في السنوات الأخيرة، دفع أحياناً ببعض التجارب إلى أن يُجرَف الكاتب إلى حالٍ، كأنّما يتحوّل الكتاب إلى ذريعة لمحتوى آخر، بدأ يظهر، وهو متّصل بالكتاب، إلا أنّه يستغرق في الاستعراض، من دون أن نعرف، بالضرورة، الكثير عن الكتب نفسها، وكأنّ سلطة السوشال ميديا تكاد تصبح سلطة جديدة، لا تقلّ عن سلطة الجائزة الأدبية، عبر الارتهان لرغبة أن يكون الكتاب محطَّ إعجاب.
وفي هذا السياق، يبدو اعتذار الروائية الأميركية هيلين ديويت عن تسلم جائزة ويندهام كامبل (175 ألف دولار)، مطلع الشهر الجاري، مثالاً عمّا يلي النشر. وقد جاء الاعتذار بعدما وجدت نفسها أمام شروط لا تخص الكتابة مباشرة، وهي تفاصيل ترويجية للجائزة، مثل جلسات تصوير طويلة، وفيلم يرافق الإعلان عن الفائزين. ورغم مفاوضات الجائزة معها، وتخفيف بعض الالتزامات، مثل إعفائها من المشاركة في البودكاست، فضّلت ديويت الاعتذار، لأنها تعيش "قريبة من الانهيار"، وكتبت في مدونتها: "إن كنت تحاول ألا تنهار، فهناك أشياء لا يمكنك القيام بها"، وفضلت أن يبقى وقتها مخصّصاً للكتابة.
أصبحت الكتب تحتاج إلى وجوهٍ وأصواتٍ وأيدٍ كي تُقدَّم للقارئ
مع أنّ الكاتب/ة في العالم العربي يقرأ هذه الحادثة - لاعتبارات كثيرة - وكأنها طرفة من عالمٍ آخر، إلا أنّ الحادثة بذاتها، بأن يعتذر الكاتب عن تسلم جائزة لعدم قدرته على المشاركة في تسويق الكتاب الفائز، بسبب ما يحتاجه ذلك من ظهور؛ تنطوي على حساسيّة أصبحت مفتقدة، وهي أن يقصر الكاتب دوره على الكتابة. وفي ذلك العالم المثالي، لا يحتاج الكاتب سوى إلى التأمل، والانكفاء على النّص، وحيث يعيش في مخيّلة زمن قديم، يعمل في العزلة والصمت، يختفي خلف نصّه، ويترك النص كي يقوم بالظهور عنه.
لكن اليوم، مع طبيعة الترويج التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، بدا أنّ الكتابة وحدها لم تعد تكفي، فالكتب أصبحت تحتاج إلى وجوهٍ وأصواتٍ وأيدٍ، تحتاج إلى "ريلز" و"بودكاست" كي تُقدَّم، حتى لكأن الصفحات التي تروي العالم الخبيء والحميم للبشر لم تعد تُغري القارئ، إنما مطلوب، على نحوٍ ما، أن يتحوّل الكاتب إلى صانع محتوى، وكأنَّما لم يعد يكفي الروائي أن ينتج رواية، أيضاً عليه أن يساهم في إنتاج حضورها.

أخبار ذات صلة.
فوضى الاستيراد تعمّق أزمة الأسواق في غزة
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة