عربي
تتسلّل أخبار فظيعة في غفلة من الحدث الإيراني ــ الأميركي ــ الخليجي ــ اللبناني ــ الإسرائيلي، وكل ما يتعلق بدونالد ترامب، مثل ذلك النبأ الذي أوردته وكالة أسوشييتد برس الأميركية الاثنين الماضي، أن الكونغو الديمقراطية شكلت قوة حراسة شبه عسكرية لتأمين مشروعات التعدين الضخمة في 22 إقليماً كونغولياً بدعم مالي من الولايات المتحدة والإمارات. وستتألف القوة من 20 ألف مسلح بكلفة لا تتجاوز مائة مليون دولار تقدمها كل من الولايات المتحدة والإمارات بالشراكة بينهما.
من أين يمكن أن يبدأ استفظاع الخبر؟ ربما من احترام عقل القارئ وتذكيره بأنّ عبارة "قوة حراسة شبه عسكرية" لا تعني سوى "مليشيا". أي إن العشرين ألف مسلح هؤلاء لن يكونوا جزءاً من الجيش الكونغولي البالغ عدده حوالى 160 ألف جندي وضابط، بل بمثابة شركة عسكرية خاصة يصعب معرفة لمن سيكون ولاؤها أولاً، لكينشاسا أم لمموّليها في واشنطن وأبوظبي؟ أما كلفة المائة مليون دولار، فتلك فضيحة، فهل يحتاج توفير هذا المبلغ الزهيد من بلد كالكونغو، صاحب موارد معدنية بقيمة تقديرية تصل إلى 24 تريليون دولار (أي 24 ألف مليار دولار)، ويسيطر على أكثر من 50% إلى 70% من الكوبالت في العالم، بالإضافة إلى احتياطات ضخمة من النحاس والذهب والكولتان والليثيوم، إلى الاستعانة بأميركا والإمارات؟ نحن إذاً أمام انسحاب دولة من أولى مهامها الأمنية لمصلحة مليشيا وطنية مموّلة من الخارج لحراسة شركات أجنبية (أميركية خصوصاً) تستثمر ثروات البلد الوطنية، وأي ثروات! معادن ضرورية لإنتاج الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومحركات الطائرات والبطاريات الكهربائية، وهذه كلها عصب الصناعات الحديثة.
ليس غريباً أن تشكّل دول مليشيات وشركات مرتزقة، و"فاغنر" الروسية مثال لا يُنسى، مثل زميلتها الأميركية "بلاك ووتر". لكن الجديد أن تنشئ دولتان أجنبيتان مليشيا في بلد ثالث من مواطنيه لتحرس شركاتهما خلال استغلال ثروات ذلك البلد الثالث. وللتذكير، الولايات المتحدة والكونغو الديمقراطية وقّعتا اتفاقيات "استراتيجية" العام الماضي لتسطو واشنطن بموجبها على جزء كبير من معادن البلد الأفريقي، في مقابل إرغام رواندا على وقف الحرب التي تشنها على جارتها الغربية بواسطة مليشيا أخرى اسمها "أم 23". وبالفعل، استضافت العاصمة الأميركية توقيع اتفاق السلام في 27 يونيو/ حزيران 2025 بين الكونغو ورواندا، بعدما توسّطت قطر في القضية، وأنجزت الاتفاق بالفعل، لكي يأتي ترامب ويقطف الثمرة، ويعتبر أنه زاد عبر تلك المعاهدة عدد الحروب التي أنهاها. ... هذه الخلفية ضرورية لكي يسهل ربط التمويل الأميركي الجديد الخاص بفرقة حراسة الشركات الأميركية التي ستسيطر على مناجم الثروات الكونغولية، باتفاقات سلام سنة 2025. ولأن الدول المنهارة تجذب التجّار كالمغناطيس، سارعت أبوظبي إلى توقيع اتفاقات مشابهة مع كينشاسا قبل شهرين من اليوم، ليست المليشيا الوليدة أول من أمس سوى أحد بنودها. اتفاقات تركز أولاً على الاستثمار في المعادن، وقد زُيِّنَت بمذكرة تعاون تجمع بين "أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية" و"الأكاديمية الدبلوماسية الكونغولية". أما زينة الاتفاق الكونغولي ــ الأميركي بشأن المعادن، فهي ميثاق استقبال الكونغو مهاجرين مرحّلين من أميركا من جنسيات ثالثة، وقد بدأ التنفيذ باستقبال أولى الدفعات من أميركا اللاتينية في البلد الأفريقي.
الكونغو الديمقراطية، ثاني أكبر بلد مساحةً في أفريقيا بعد الجزائر، أحد أثرى البلدان بالمعادن والثروات الطبيعية والمياه والأوكسيجين والأدغال والجمال، دولة منهارة أمنياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. ولا تفعل اتفاقيات كتلك الموقعة بينه وبين أميركا والإمارات والتي تُسند بموجبها حماية استغلال شركات أجنبية ثروات هائلة، إلى مليشيات هي مشاريع حروب أهلية مستقبلية، سوى توسيع قبور الكونغوليين.

أخبار ذات صلة.
روسيا لن تنشر معدات عسكرية في عرض 9 مايو
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق
الكتابة لا تكفي؟
العربي الجديد
منذ 59 دقيقة