ليبيا... خلاف حكومي حول الدولار الجمركي يهدّد الأسواق
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يتحوّل ملف الدولار الجمركي في ليبيا من نقاش تقني محدود إلى ساحة تجاذب سياسي واقتصادي مفتوح، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتَين تتبنّيان سياسات مالية وجمركية متباينة، ما يضع وحدة السوق المحلية أمام اختبار مباشر، ويثير نقاشاً واسعاً بين خبراء ومورّدين حول حجم التأثير الحقيقي على الأسعار. في طرابلس، تمضي حكومة الوحدة الوطنية في تنفيذ قرارها القاضي بإلغاء السعر التفضيلي للدولار الجمركي واعتماد سعر الصرف الرسمي المعتمد لدى المصرف المركزي، البالغ 6.39 دنانير للدولار، في حين أوقفت الحكومة الموازية في بنغازي العمل بهذا القرار، وأبقت على السعر السابق عند 2.1 دينار للدولار، في خطوة يعتبرها مراقبون تعميقاً لحالة الازدواج المالي داخل البلاد. ويُقصد بالدولار الجمركي السعر الذي تُحتسب على أساسه الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، وهو أداة مالية تستخدمها الدول لتحديد تكلفة الاستيراد بشكل أكثر استقراراً، بعيداً عن تقلبات سعر الصرف في السوق الموازية. وفي الحالة الليبية، ارتبط هذا السعر بآليات إدارة السياسة النقدية في ظل اقتصاد يعتمد كثيراً على الواردات لتغطية احتياجاته من الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية. ويرى خبراء أن هذا التباين أنتج فعلياً بيئة مزدوجة في بعض القطاعات الاقتصادية، ما أدى إلى اختلاف في تطبيق القوانين والرسوم بين المنافذ والمناطق، وهو ما ينعكس بدوره على حركة التجارة الداخلية. وتوضح مصادر فنية في مصلحة الجمارك بطرابلس، لـ"العربي الجديد"، أن تعديل آلية احتساب الرسوم جاء استناداً إلى دراسة أعدّتها لجنة مشتركة ضمت جهات حكومية، من بينها وزارات التخطيط والاقتصاد والجمارك، وأوصت بالاعتماد على سعر الصرف الرسمي المعتمد لدى المصرف المركزي عند تسجيل الإقرار الجمركي. وتشير المصادر ذاتها إلى أن السلع الغذائية والدوائية والمواد الخام، إضافة إلى السلع ذات المنشأ العربي، تخضع لإعفاءات جمركية وفق التشريعات النافذة، ما يعني أن تعديل سعر احتساب الدولار الجمركي لا ينعكس عليها مباشرةً. كما لفتت إلى أن معظم بنود التعرفة الجمركية في ليبيا تقع ضمن فئتَي 0% و5%، وهي نسب منخفضة مقارنة بالمعايير الدولية، ما يحدّ من أي أثر واسع على الأسعار، خاصة في حال عدم تسجيل ارتفاعات حادة في سعر الصرف في السوق الموازية. في المقابل، يحذّر مختصون من التداعيات الهيكلية للانقسام الجمركي. ويقول الخبير الاقتصادي عبد الناصر الكميشي إنّ "وجود سعرين لاحتساب الرسوم داخل دولة واحدة يعني عملياً وجود نظامَين جمركيَّين، ما يخلق بيئة غير متكافئة للمنافسة". ويضيف، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ هذا التباين "قد يدفع المستوردين إلى توجيه شحناتهم نحو الموانئ التي تعتمد تكلفة أقل، ما يؤدي إلى إعادة توزيع غير متوازن للتجارة، ويخلق فروقاً سعرية داخل السوق المحلية". من جانبه، يقول أحد المستوردين في طرابلس، محمد عرعارة، إن "احتساب الرسوم على أساس السعر الرسمي يرفع التكلفة التشغيلية، لكن التحدي الأكبر يتمثل في غياب الاستقرار في القرارات الاقتصادية"، مضيفاً: "لا يمكن بناء خطط استيراد طويلة الأجل في ظل سياسات تتغيّر بين منطقة وأخرى". في المقابل، يرى مورد السلع الزراعية، علي العاقل، أنّ "الإبقاء على السعر السابق يوفر استقراراً مؤقتاً، لكنه قد يشجع على تدفق السلع عبر الشرق، ثم إعادة توزيعها إلى باقي المناطق للاستفادة من فروقات الأسعار". ومن جهته، رأى المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث، أن استمرار العمل بنظامَين جمركيَّين متوازيَين يشكّل تهديداً مباشراً لوحدة السوق الليبية، داعياً إلى توحيد السياسات المالية والجمركية ضمن إطار مؤسّسي واحد. وأوضح، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الحل لا يكمن في إلغاء القرار أو الإبقاء عليه جزئياً، بل في توحيد القواعد على مستوى الدولة، بما يضمن عدالة المنافسة ويحمي المستهلك من تقلبات السياسات المتضاربة". وخلال السنوات الماضية، استخدمت السلطات الليبية أكثر من صيغة لاحتساب الدولار الجمركي، بين سعر رسمي مدعوم أو سعر تفضيلي أقل من سعر السوق، وذلك بهدف تخفيف الضغط على الأسعار النهائية للمستهلك، خصوصاً في فترات ارتفاع الدولار في السوق الموازية. ومع ذلك، بقي هذا الملف محلّ جدل دائم بين من يراه أداة لتخفيف العبء المعيشي، ومن يعتبره تشوهاً سعرياً يفتح المجال لاختلالات في الاستيراد والتسعير. ويتزامن الجدل حول الدولار الجمركي مع واقع الانقسام المؤسسي القائم في ليبيا منذ سنوات، والذي انعكس على السياسات المالية والاقتصادية، إذ تتباين القرارات بين شرق البلاد وغربها في عدد من الملفات، من بينها إدارة الإيرادات والإنفاق العام والسياسات الجمركية. ومنذ مطلع عام 2022، توجد في ليبيا حكومتان: الأولى مقرها بنغازي (شرق البلاد)، وتدير شرقي ليبيا وجنوبها، والثانية هي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومقرها العاصمة طرابلس، وتدير غربي البلاد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية