عربي
في تطور لافت في العلاقات بين باكستان وأفغانستان، تعالت، خلال الأيام الأخيرة، أصوات أفغانية مؤيدة للموقف الباكستاني بشأن خط ديورند الفاصل بين البلدين، الذي تعدّه إسلام أباد حدوداً رسمية، بينما ترفض كابول الاعتراف به. وجاء التأييد على لسان مسؤولين في الحكومات الأفغانية السابقة ومعارضين لحكومة طالبان، ما أثار نقاشاً واسعاً على الساحتين السياسية والأمنية في البلدين. ولا تكمن أهمية هذا التحوّل في مضمون المواقف الجديدة حيال خط ديورند الذي يعود رسمه إلى الحقبة الاستعمارية فحسب، بل في هوية الجهات التي تبنتها، إذ إن معظمها شخصيات وقوى كانت تاريخياً تُعرف بمواقفها المتشددة حيال باكستان، لكنها اليوم تقترب من رؤيتها السياسية والأمنية في مواجهة سلطة حركة طالبان الأفغانية.
اندلعت مواجهات عنيفة بين القوات الأفغانية والباكستانية على منفذ سبين بولدك
ويأتي هذا التحول مع عودة الاشتباكات الحدودية بين البلدين، رغم أن الوضع بين الجارتين كان قد هدأ نسبياً بعد المفاوضات الأخيرة في مدينة أورمتشي الصينية، مطلع الشهر الحالي، حيث ضغطت بكين على الطرفين من أجل تجنب العنف ومواصلة الحوار، بعد تفجر الأوضاع على الحدود في أواخر فبراير/ شباط الماضي.
يذكر أن خط ديورند قد رُسم عام 1893 إبان الحكم البريطاني لشبه القارة الهندية، وورثته باكستان بعد استقلالها من الهند، عام 1947، حين كان موقف الحكومات الأفغانية المتعاقبة، الملكية والجمهورية وكذلك حكومة المجاهدين وحكومة طالبان في المرحلة الأولى، وحتى الحكومات المدعومة غربياً بعد عام 2001، تجنب الاعتراف الرسمي بالخط حدوداً دولية نهائية، باعتبار أنه قسّم مناطق القبائل البشتونية بين دولتين. غير أن المشهد الحالي يشهد تبدلاً ملحوظاً في تاريخ الصراع بين الدولتين على خط ديورند، حيث بدأت شخصيات أفغانية غير بشتونية، وخصوصاً من الطاجيك والهزارة والأوزبك، تتحدث علناً عن ضرورة الاعتراف بهذا الخط حدوداً قائمة من أجل استقرار المنطقة.
"ديورند" حدود رسمية
من أبرز هذه الشخصيات أحد زعماء الأقلية الشيعية في أفغانستان، هزراه حاجي محمد محقق، زعيم حزب الوحدة، والذي شغل سابقاً مناصب حكومية رفيعة بينها منصب نائب الرئيس الأسبق حامد كرزاي، ومستشار الرئيس السابق أشرف غني. محقق، الذي يُعد من المنتقدين التقليديين للسياسات الباكستانية على مدى العقدين الماضيين قبل وصول "طالبان" إلى سدة الحكم في كابول، ويتهم الحركة الأفغانية بأنها عميلة لباكستان، كان أول من ذهب إلى إسلام أباد بعد سقوط كابول بيد "طالبان" عام 2021. الرجل دعا في حوار صحافي في 21 إبريل/ نيسان الحالي، إلى التعامل الواقعي مع الحدود الحالية، معتبراً أن الصراع مع باكستان يخدم سلطة "طالبان" أكثر مما يخدم الشعب الأفغاني. وشدد على أن خط ديورند هو الخط الرسمي بين باكستان وأفغانستان، وأنه لا يؤيد ادعاء أفغانستان بأنه خط غير رسمي.
محقق ليس الوحيد الذي قال إن خط ديورند هو حدود رسمية مع باكستان، بل إن مسؤولين سابقين في الحكومات الأفغانية المتتالية، مثل قائد القوات الخاصة في الجيش الأفغاني المنهار (في 2021) الجنرال سميع سادات، دعم موقف باكستان، وقال في تصريح صحافي، 22 إبريل الحالي، إن الأهم هو "احتلال طالبان لكابول ولأفغانستان"، و"نحن نؤيد كل من يساعدنا في سبيل التخلص من طالبان الأفغانية"، معتبراً خط ديورند قضية هامشية لا قيمة لها. وتعليقاً على تصريحات محقق بأن خط ديورند خط رسمي بين الدولتين، قال شيواي شرق، نائب وزير الإعلام الأفغاني في حكومة أشرف غني (2014-2021)، في تصريحات أخيراً، إن لا أحد من الأفغان يعارضه (الخط)، سوى القبائل البشتونية و"طالبان" الأفغانية، التي "سيطرت أصلاً على البلاد بقوة السلاح، ولا قيمة لرأيها".
علامة يأس وإحباط
من جهته، اعتبر المحلل الأمني الأفغاني، محمد جمال محمد إدريس، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن مواقف بعض المعارضين لحركة طالبان "بدأت تدعم السياسة الباكستانية حيال ديورند بعد فشلهم في إيجاد جبهة موحدة، وبعد يأسهم من إسقاط حكومة طالبان"، موضحاً بالتالي أنهم "بدأوا يبحثون عن تحالفات إقليمية جديدة، وعن دعم في المنطقة". وفي رأيه فإن "التقارب مع باكستان يأتي ضمن استراتيجية الضغط غير المباشر على طالبان، خصوصاً أن العلاقات بين إسلام أباد وكابول تشهد توتراً متزايداً بسبب الملف الأمني واتهامات باكستان للحركة بعدم ضبط نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود".
محمد جمال محمد إدريس: قضية ديورند ورقة سياسية لإضعاف شرعية طالبان التي تقدم نفسها مدافعاً عن القضية الوطنية البشتونية
ولفت إدريس إلى أن الاعتراف بخط ديورند لم يعد بالنسبة لبعض المعارضين قضية قومية، بل "ورقة سياسية لإضعاف شرعية طالبان التي تقدم نفسها مدافعاً عن القضية الوطنية البشتونية". أما الجانب الباكستاني فهو، وفق إدريس، وبعد أن فشل في إقناع "طالبان" الأفغانية بالاعتراف بخط "ديورند"، لجأ إلى هؤلاء المعارضين، و"يمارس شيئاً من الضغط على طالبان الأفغانية". لكنه أشار إلى أن "هؤلاء ليس لهم نفوذ في البلاد، كما لا يتفق جميع المعارضين على هذا الرأي". من جهته قال الزعيم القبلي الأفغاني، ملاخيل أحمد زاي، لـ"العربي الجديد"، إن خط ديورند والاعتراف به ليس من حق أي حكومة، بل "الأمر يرجع إلى الشعب، لا سيما القبائل المتاخمة على الحدود".
وعزا ذلك إلى أن هذا الخط "فصل بين أبناء قبائل واحدة، بين عشائر لها تاريخ طويل من الحياة في هذه المنطقة، على سبيل المثال قبيلة وزير العريقة، (يعيش) نصفها على هذا الجانب من الخط (أفغانستان)، والنصف الثاني على الجانب الآخر (باكستان)". وأوضح أن هذا هو حال قبائل أخرى مثل، صافي وشينواري ومهمند وغيرها، لافتاً إلى أن "تعامل باكستان في السنوات الأخيرة مع القبائل على الطرفين، كان تعاملاً ظالماً جداً وغير مناسب، ما جعل القبائل تجدد (تثير) قضية ديورند". وفي رأيه فإن "أي حكومة في كابول عليها أن تدعم موقف القبائل".
قضية خط ديورند تعارض الواقع
على الجهة المقابلة، رأى الإعلامي الباكستاني حسن خان، وهو أيضاً من العرقية البشتونية، أن خط ديورند قضية مفروغ منها، فتلك "حدود رسمية"، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "القبائل البشتونية على الجانب الباكستاني، لا تريد أصلاً أن تدلي بصوتها في قضية ديورند وما تقوله كابول، ما يزيد الفجوة بين الدولتين". وفي رأيه على الجميع الاعتراف بهذه الحدود، فهي "حدود رسمية لدى المجتمع الدولي ولدى باكستان"، مضيفاً أن "ما تقول به الحكومة الأفغانية (موقفها) أمر غير واقعي بالمرة". وأوضح أن "عدم الاعتراف بخط ديورند حدوداً رسمية ليس رأي كل الأفغان، بل بعضهم، وهم يمارسون الضغط على باكستان فقط".
من طرفها جددت حكومة طالبان رفضها الاعتراف بخط ديورند الفاصل بين أفغانستان وباكستان. وقال وزير الشؤون القبلية المولوي نور الله نوري، الذي يُعد واحداً من مؤسسي حركة طالبان، "إننا لن نعترف بخط ديورند مهما حصل، هي ليست حدوداً رسمية". وأضاف في خطاب أمام المسؤولين في الحكومة، يوم الأحد الماضي، أن "كل ما تقوم به باكستان سيذهب أدراج الرياح ولا طائل من ورائه"، مشدداً على أن "أفغانستان مستعدة لتقديم كل أنواع التضحية من أجل الدفاع عن الثوابت وهي: الدين والوطن، ولا نساوم على شبر واحد من أرض الوطن ومن القضايا الوطنية، ومنها ديورند". وكان الناطق باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، قد أكد في بيان يوم 12 إبريل، أن أفغانستان لن تقبل بخط ديورند حتى لو "استخدمت ضدها باكستان القنبلة النووية، فهذه القضية وطنية لن نساوم عليها".

أخبار ذات صلة.
الرقابة والفساد
العربي الجديد
منذ 36 دقيقة