الرقابة والفساد
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يستغل الفساد في المرحلة الانتقالية الفراغ الذي توفره المؤسسات الناشئة حديثاً أو التي تجري إعادتها للعمل، أو تجديدها، ما يعد بيئة صالحة لتمدد الفساد وتوطنه. ولا تعدم الحالة السورية، فرصا مفتوحة لاستسهاله، خاصة أنه طوال العقود الماضية شهد الفساد استقراراً في مفاصل الدولة، وأصبح عملة متداولة للاستيلاء على المشاريع والمناقصات وقضاء الحاجات صغرت أم كبرت. ولا غرابة في عودته اليوم بخطى حثيثة، بالعمل على استعادة مساربه بعد خلخلة، مع أعوان جدد ومصالح جديدة. في حال أطلق العنان له، فالمتوقع، أنه سيتجذر ما دام أنه "مشرش"، ومسالكه ما زالت شغالة، ويصبح قدراً يصعب الخلاص منه. إذا أردنا ان نكون واقعيين، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكننا الاطمئنان إلى رقابة السلطة للحد منه؟ بالاستعانة بتجارب سابقة، لا يمكن مواجهة الفساد بالاكتفاء بمنظومات الرقابة المعروفة، سواء داخل المؤسسات، أو الخارجية كهيئات مكافحة الفساد ودوائر المحاسبة، وحتى المحاكم. هذه الأجهزة لم تتمكن من مواقعها بعد، بعدما أعيد العمل فيها بسرعة تلافياً للفراغ، بالتالي قد لا تكون فعالة، وغير مزودة بصلاحيات حقيقية، ولا محمية من الضغوط والمحسوبيات. كما يخشى من تحول رقابة السلطة وحدها إلى أدوات تُستخدم لتصفية الخصوم أكثر منها لمكافحة الفساد. هل تملي الضرورة الاعتراف بدور للمعارضة في ممارسة الرقابة؟ نعم، لكن إلى أي حد تستطيع أن تكون رقيباً موثوقاً به؟ من حيث المبدأ، المعارضة الداخلية حتى بحالتها الجنينية والمرتبكة والعدائية، طرف قد يكون صالحا للقيام بهذا الدور، بحكم موقعها في المجتمع ومعرفتها بالواقع، تمتلك ميزة أساسية: أنها خارج السلطة، وبالتالي أقل تورطاً في شبكات المصالح المباشرة. هذا الموقع يمنحها حرية الكشف عن التجاوزات، وكي تمارس دورها الرقابي، يتطلب منها الاستقلالية، بعدم الارتباط بجداول أعمال خارجية، لئلا تصبح عرضة لتكييف خطابها بما ينسجم مع جهات الخارج، وأن تميز بين الوقائع حسب أهميتها السياسية، بالتركيز على بعضها، أو بتضخيمها، أو حتى إخفائها. ما تتمتع به من ميزة، قد تصبح نقطة ضعف، وتصبح الرقابة امتدادا لصراعها السياسي مع السلطة، ما يهدد بالانزلاق إلى منطق الإدانة المسبقة، حيث يصبح الهدف ليس كشف الفساد، بل إثباته بأي ثمن. عندئذ تفقد الرقابة دورها، وتتحول إلى أداة تعبئة ضد السلطة. تلعب المعارضة دوراً رقابياً نزيهاً، ليس بحكم تعريفها كمعارضة، ولا بصراعها على السلطة، وإنما بفرض نفسها كمرجع رقابي مستقل، والعمل على بناء مصداقيتها، بالتحقق من المعلومات، والتمييز بين الشهادة والإشاعة، والاعتراف بالخطأ حين يحدث. كذلك بمدى التزامها بالدقة، من دون المراهنة على التأثير السريع عبر إثارة الضجيج في وسائل التواصل. وفي حال اعتبرت نفسها بديلاً مبكراً للسلطة القائمة، فسرعان ما ستنزلق إلى التسييس المفرط، باستثمار الفساد كذريعة لتصفية حسابات داخلية. إلى أي حد تستطيع المعارضة أن تكون رقيباً موثوقاً به؟ فإذا توفرت هذه الشروط، تصبح جزءاً ضرورياً من توازن صحي. أما إذا غابت، فإنها قد تتحول من رقيب على الفساد إلى طرف في فوضى الادعاءات السياسية، إن لم يرضها نصيبها في الدولة من المناصب المؤثرة، إلا سمعة نظيفة خدمة للبلد، ترتد عليها عندما تصبح أحزاباً في المستقبل القريب أو الأبعد. في الواقع، لا توجد رقابة واحدة كافية بحد ذاتها. الفاعلية تنشأ بالمشاركة: حين تراقب المؤسسة نفسها، ويراقبها جهاز مستقل، وتكشف وسائل الإعلام ما يغيب عنهما، ويُحاسب القضاء المتورطين بالفساد، أما المعارضة بأنواعها كافة، فيحق لها أن تكون بالمرصاد لأي تجاوز أو خلل. ثم، أولاً وبالضرورة، المجتمع، من الأفراد كافة. عندئذ لا يكون الفساد خياراً سهلاً، واذا كان مغامرة، فلن تكون مضمونة العواقب. * روائي سوري

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية