عربي
لم تكد تنتهي أولى جلسات محاكمة رموز النظام السوري السابق، أول من أمس الأحد، في العاصمة السورية دمشق، حتى أُثيرت الكثير من التساؤلات والملاحظات القانونية حول جلسة محاكمة رموز الأسد أمس، والتي رأى بعضهم أنها حملت طابعاً دعائياً في إطار الاستجابة لضغط الشارع، أكثر من كونها خطوة مدروسة في مسار العدالة الانتقالية الذي شُكّلت من أجله هيئة وطنية ما تزال تنتظر خطوة تشريعية لإقرار مسودة قانون أعدته تجري على أساسه المساءلة والمحاسبة.
وشهد القصر العدلي في شارع النصر في دمشق، الأحد، انطلاق أولى جلسات محاكمة رموز نظام الأسد، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر (غيابياً)، وابن خالة الأسد، الضابط في الأجهزة الأمنية عاطف نجيب (حضورياً) المتهم باعتقال وتعذيب أطفال سوريين في درعا مطلع الثورة السورية، في حدث غير مسبوق في التاريخ السوري، له الكثير من الدلالات القانونية والسياسية والوطنية. واقتصرت الجلسة على جوانب إدارية وإجرائية على أن تعود للانعقاد مجدداً في 10 مايو/أيار المقبل. وترأس أولى جلسات محاكمة رموز الأسد القاضي فخر الدين العريان، وهو قاض كان انشق عن النظام السابق، وصدرت بحقه أحكام غيابية بالإعدام، وصودرت أملاكه. وبُعيد الجلسة، قال الرئيس السوري أحمد الشرع في تدوينة على منصة "إكس": "ستظل العدالة إحدى أسمى القيم التي انتصر لها شعبنا"، مشيراً إلى أنها "غاية كبرى تسهر الدولة ومؤسساتها على تحقيقها، إنصافاً للضحايا وتضميداً للجراح، وتعزيزاً للسلم الأهلي والعيش المشترك، وتأكيداً لعهدنا بملاحقة المتسببين في معاناة شعبنا وآلامه".
رموز الأسد قيد المحاكمة
وجلسة الأحد، بداية سلسلة طويلة من محاكمات منتظرة ستشمل الكثير من رموز الأسد المتهمين بارتكاب جرائم إبادة أو ممن حرّض أو اشترك بها، سواء الذين تمّ بالفعل القبض عليهم أو أولئك المتوارين عن الأنظار والفارين من وجه العدالة. وارتبط اسم نجيب ببدء الثورة، إثر اعتقاله وتعذيبه مجموعة من الأطفال في محافظة درعا كتبوا على جدران المدارس عبارات مناهضة لنظام الأسد.
ورحّب الشارع السوري ببدء مسار العدالة الانتقالية في البلاد، والتي تعدّ مطلباً ملحّاً عاد مع جلسة الأحد إلى صلب النقاش الوطني السوري المحتدم منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي طاول الكثير من جوانب هذا المسار القانوني والوطني، المعوّل عليه في حماية السلم الأهلي، بعدم فتح الأبواب أمام عمليات انتقامية فردية، ربما تخرج عن السيطرة وتدفع البلاد إلى الفوضى الأمنية.
قد تكون جلسة الأحد عُقدت نتيجة الضغط الشعبي الذي تفجّر أكثر بعد القبض على أمجد يوسف
وحملت الجلسة الأولى طابعاً استعراضياً ودعائياً واضحاً، أكثر من كونها خطوة مدروسة ضمن مسار قانوني وقضائي واضح، ما يشي أنها ربما عُقدت نتيجة الضغط الشعبي الذي تفجّر أكثر بعد القبض على أمجد يوسف، يوم الجمعة الماضي، وهو المتهم الأبرز في ارتكاب مجزرة حيّ التضامن الدمشقي في عام 2013. وبرأي زيدون الزعبي، وهو خبير في مجالات الحوكمة، فإن مسار العدالة الانتقالية هذا، والذي يقوم على أساس المساءلة والمحاسبة لرموز حقبة نظام الأسد، "بحاجة إلى رصانة أكثر"، مشيراً في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنه "يتفهم مشاعر الناس وحالة الاحتقان الكبير الموجودة في الشارع السوري"، بيد أنه رأى أن هذا المسار القضائي الطويل "يجب أن يكون ذا طابع قانوني وحقوقي رصين".
وتجري المحاكمات بناء على قانون العقوبات السوري الصادر في عام 1949، والذي لا يتضمن توصيفات مستقلة لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة، وهو ما دفع قانونيين للمطالبة بتأجيل هذه المحاكمات إلى حين صدور القانون الذي أعدته "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، والتي ما تزال تنتظر انعقاد البرلمان من أجل إقراره وبدء العمل به.
رفض للاستعجال
وتعليقاً على الجلسة الأولى من محاكمة رموز الأسد في دمشق، رأى المحامي غزوان قرنفل، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الاستعجال في مسألتي المساءلة والمحاسبة يبدو ضرورياً في هذه المرحلة، وخصوصاً بعد تشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية"، مضيفاً أنه "آن الأوان لمعرفة الآليات القانونية لهذا المسار"، ومعرباً عن اعتقاده بأن "الاستعجال بعقد الجلسة (أول من أمس) كان هدفه امتصاص ضغط الشارع، ولا سيما بعد اعتقال أمجد يوسف مرتكب مجزرة التضامن، والذي نفى تلقيه أوامر من قادة لارتكاب تلك المجزرة ما أثار مخاوف من اقتصار المحاسبة عليه فقط".
قانون العقوبات السوري الصادر في 1949، لا يتضمن توصيفات مستقلة لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة
وأشار قرنفل إلى أنه "كان هناك قرار من وزارة العدل بعقد جلسات المحاكمة مسبقاً، ولكن أعتقد أنه تمّ استعجال عقد الجلسة بهدف تهدئة الشارع"، مضيفاً أن "السلطة أرادت إرسال رسالة واضحة مفادها بأنها لم تطو صفحة المحاسبة". وأشار إلى أن معايير القانونيين وذوي الضحايا والناجين حول المحاكمات "مختلفة عن معايير السلطة، ولكن يجب أن يكون هناك مسار ونسق واضح حول آليات وطرق المحاكمة من الناحية القانونية". وبرأيه، فإنه "كان ينبغي على السلطة ألا تستعجل الخطوات في هذا المسار، وكان عليها أن تكون أكثر شفافية ومكاشفة مع هذا الشارع، لجهة إيضاح الخطوات التي قامت بها في قضايا المساءلة والمحاسبة، ولإرساء آليات قانونية واضحة لها". واعتبر أن "هذه المكاشفة كان يمكن لها التخفيف من الاحتقان الشعبي بانتظار التأسيس لمسار قانوني وقضائي صحيح على أسس واضحة، فلو أخذت مسألة المحاسبة فترة زمنية أخرى قبل الشروع بها، أفضل من التأسيس لمسار قضائي غير صحيح". وبرأي قرنفل، فإن المسار الذي بدأ الأحد "خاطئ لأنه يتم على أساس قانون العقوبات السوري والذي لا يتضمن نصوصاً تتعلق بجرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية"، متسائلاً "كيف يمكن مساءلة بشار الأسد وأركان حكمه من عسكريين وأمنيين عن جرائم لم ينص عليها قانون العقوبات السوري؟".
وأوضح المحامي أن "هناك مئات آلاف القتلى، ومثلهم من المختفين قسرياً، وهناك مقابر جماعية، ومجازر بأسلحة محرمة دولياً، ارتكبها النظام البائد خلال سنوات الثورة (2011- 2024)"، لافتاً إلى أن "هذه جرائم كبرى لا يجوز تقزيمها عبر قانون قاصر ولا يحيط بها كما يجب". وبرأيه فإن "هناك تعجلاً في البدء في محاكمات رموز الأسد"، معتبراً أنه "كان يُفترض انتظار صدور قانون العدالة الانتقالية، ومساءلة ومحاكمة المتهمين وفقه". ولفت إلى أن "تأخير المحاكمات عدة أشهر أخرى، هو الأجدى والأصوب ويصب في صالح العدالة الانتقالية، فبحسب قانون العقوبات تسقط عقوبة القتل بالتقادم بينما القوانين الخاصة بالعدالة الانتقالية لا تقادم فيها"، مشدداً على أن "هذه القضايا كان يجب أن تكون محل نقاش واسع بين القانونيين السوريين، قبل البدء في إجراء المحاكمات".
غزوان قرنفل: كان على السلطة أن تكون أكثر شفافية ومكاشفة مع الشارع، لجهة إيضاح الخطوات التي قامت بها في قضايا المساءلة والمحاسبة
من جهته، لفت المحامي عارف الشعال، إلى ضرورة وجود محامٍ للدفاع عن المتهم، معتبراً أن غياب هذا الدفاع "طرح يصطدم مباشرة بالقانون والدستور وكافة المواثيق الدولية"، ومشدداً على أن وجود محامي الدفاع "ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل حق مقدّس، وغيابه كفيل بإبطال المحاكمة برمّتها". وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن "مهاجمة محامي الدفاع أو التشكيك بدوره لا يعبّر عن حرص على حقوق الضحايا، بل عن فهم قاصر لمنظومة العدالة، فالدفاع عن المتهم هو دفاع عن عدالة الإجراءات، لا عن الجريمة، وهو جزء من حماية مسار العدالة". ورأى الشعال أن "القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة لا تكمن في تفاصيلها الآنية بقدر ما تكمن في دلالتها السياسية والقانونية العميقة، المتمثلة في طيّ صفحة المحاكم الاستثنائية التي شكّلت وصمة في تاريخ القضاء السوري، وإعادة الاعتبار للقاضي الطبيعي واختصاصه الأصيل".
ومنذ إسقاط نظام الأسد، أوقفت الإدارة السورية عدداً كبيراً من المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، من بينهم ضباط برتب رفيعة كانوا من الأركان العسكرية والأمنية الرئيسية لنظام الأسد. وشُكّلت في مايو/أيار 2025، هيئةٌ مستقلة باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، من مهامها: كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها نظام الأسد، ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

أخبار ذات صلة.
الرقابة والفساد
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة