عربي
منذ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وعلى مدى ما يقارب الشهرين، يعيش الشارع الإيراني ما يمكن تسميته بـ"ليالٍ ثورية"، إذ تتواصل المسيرات الشعبية الليلية لمؤيدي الثورة الإسلامية في ميادين طهران والمدن الأخرى بزخم لافت، لتتحوّل ساعات الليل إلى فضاء سياسي اجتماعي مفتوح تعبّر فيه الجماهير عن موقفها من الحرب والهدنة والمفاوضات والواقع الداخلي. وشكّل هذا الحضور الشعبي، ولا سيما خلال أيام المواجهة العسكرية، ركناً محورياً في تعزيز الجبهة الداخلية ومنع اندلاع اضطرابات كانت أطراف الحرب تراهن عليها. ومع مرور الوقت، تطورت هذه المسيرات إلى تجمعات سياسية اجتماعية ثقافية، دعا القادة الإيرانيون، وعلى رأسهم المرشد مجتبی خامنئي، إلى استمرارها حتى تحقيق "النصر النهائي".
وإذا كان يُنظر سابقاً إلى الميدان والدبلوماسية بوصفهما جناحي السياسة الخارجية الإيرانية، فإن الحرب الأخيرة أضافت ضلعاً ثالثاً هو الشارع. وهكذا تشكّلت معادلة جديدة من ثلاثة عناصر: الميدان والدبلوماسية والشارع، باعتبارها أضلاعاً حاسمة في إدارة المواجهة مع "الأعداء". غير أنّ إعلان وقف إطلاق النار في 8 إبريل/نيسان الحالي، وبدء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في باكستان، أفرزا حالة من التباين داخل عنصر الشارع المؤيد؛ إذ يَعتبر قطاع واسع من المشاركين في هذه "الليالي الثورية" أنّ القوة الحقيقية تكمن في الميدان لا في الدبلوماسية، رافضين أي مسار تفاوضي مع واشنطن.
وبحسب ما رصدته "العربي الجديد" من قلب هذه المسيرات في طهران خلال الأيام الماضية، فقد كان المزاج العام ثقيلاً ومشحوناً ضد المفاوضات، ولم يجرؤ المتحدثون على المنصات على تأييدها خشية الهتافات المضادة، إذ رُفعت شعارات تنتقد المسار التفاوضي وتهاجم حتى رئيس البرلمان الإيراني، رئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف، أحد أكبر قادة التيار المحافظ في البلد.
رُفعت شعارات تنتقد المسار التفاوضي وتهاجم حتى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف
ويقول أمير حسين، شاب عشريني يشارك منذ بداية الحرب في تجمعات ساحة انقلاب، لـ"العربي الجديد": "لا ينبغي التفاوض. كيف نتفاوض مع من قتل إمامنا (المرشد الراحل علي خامنئي) وشعبنا؟". ويقاطعه شاب آخر: "من يذهب للتفاوض مع الشيطان الأكبر يخون دماء الإمام والشهداء. الميدان هو الذي سيحسم المعركة". وفي الجانب الآخر من الساحة، تقول الطالبة الجامعية زهراء، لـ"العربي الجديد"، إنها تشارك يومياً في هذه الليالي الثورية "لإظهار دعمها للقوات المسلحة"، مضيفة: "التفاوض الآن يعني التراجع بعد الانتصارات. الناس هنا يريدون استمرار الضغط حتى النهاية". كما يقول الخمسيني أحمد رضا من ساحة صادقية غربي طهران لـ"العربي الجديد": "نحن نعرف أميركا جيداً. كل مفاوضاتها خداع. الشارع هو ضمانة الثورة، ولن نسمح بتضييع ما تحقق".
التفاوض يشعل الشارع المتظاهر في إيران
ويقول الناشط الإيراني المحافظ هاتف صالحي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن بدء وقف إطلاق النار في الجبهة العسكرية مع التحالف الأميركي الإسرائيلي ترافق مع انتهاء حالة التهدئة داخل الساحة السياسية الإيرانية، عازياً ذلك إلى سببين رئيسيين: الأول دخول قالیباف على خط المفاوضات بصفته رئيس الفريق المفاوض الموفد إلى باكستان، والثاني تراجع "الصبر السياسي" وليس التحمل المجتمعي لدى بعض التيارات الداخلية. ويوضح صالحي أن التيار المعارض للمفاوضات يضم شخصيات متشددة، يرى أنها تقف منذ سنوات ضد الدبلوماسية، وتتبنّى تصوراً يقوم على حسم جميع الملفات في الميدان لا عبر التفاوض. ويربط هذا التيار بالأمين الأسبق لمجلس الأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، معتبراً أنه عندما كان يقود المفاوضات لم يسعَ إلى حلّ القضايا، بل كان يكتفى بقراءة البيانات وإلقاء دروس في الأخلاق. ويشير إلى أن هذا الفريق يعتقد أن مرور الوقت من دون التفاوض يمنح إيران أوراق قوة إضافية، مضيفاً أن كل الحروب، بما فيها الحرب العراقية الإيرانية، انتهت في النهاية عبر الدبلوماسية والمفاوضات.
هاتف صالحي: التيار المعارض للمفاوضات يضم شخصيات متشددة، تقف منذ سنوات ضد الدبلوماسية
ويرى صالحي أن جزءاً من الهجوم على قالیباف يرتبط بحسابات انتخابية، في ظل قرب انتخابات المجالس البلدية ولاحقاً الانتخابات الرئاسية بعد عامين. ويعتبر أن بعض الأطراف تسعى لمنع تسجيل أي إنجاز سياسي أو دبلوماسي باسم قالیباف، خشية أن ينعكس ذلك على مستقبله السياسي وتعزيز فرص فوزه بالرئاسة المقبلة، لافتاً إلى أن التركيز على تشويه صورة قالیباف يتقدّم لدى هذه المجموعات على الاعتبارات الوطنية. ويشير صالحي إلى أن جانباً من الاحتجاجات والضغوط الإعلامية الحالية يحمل طابعاً منظّماً، وبعض المنابر خلال المسيرات الليلية في العاصمة مرتبطة بتلك المجموعات، وتروّج خطاباً يرفض المفاوضات ويطالب القيادة بإعلان مباشر لأي قرار. ويعتبر أن هذا التيار لا يقبل حتى ببيانات المجلس الأعلى للأمن القومي، ويصرّ على تأويلات خاصة حتى في حال صدور مواقف واضحة من القيادة.
ويؤكد الناشط الإيراني المحافظ أن السياسة الخارجية تُرسم في المستويات العليا للنظام بقيادة المرشد، وأن قرار التفاوض الراهن اتُّخذ بموافقته بعد مراجعة شاملة للمصالح الوطنية. لكنه يوضح أن تفسير بعض الأطراف لدور قالیباف على أنه أطلق المفاوضات بمبادرة شخصية "أمر خطير" أدّى إلى الضغط عليه، ما تسبّب بحسب تقديره في تراجع حماسه لمتابعة المسار وليس استقالته. علماً أنه شاعت خلال الأيام الماضية شائعات حول استقالة قاليباف من رئاسة الوفد الإيراني المفاوض لكن البرلمان الإيراني نفى صحتها.
ويبيّن صالحي أن ساحة التفاوض تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وأن أي اتفاق يجب أن يحقق المصلحة العامة، مشيراً إلى أن قالیباف أصبح "هدفاً دائماً" للهجوم سواء نجحت المفاوضات أو فشلت. ويحذّر من نقل "الأعداء" المواجهة العسكرية إلى "حرب إدراكية" تسعى لإحداث انقسام بين المسؤولين وتفكيك المجتمع، معتبراً أن أهداف تحالف العدوان تُقسم إلى ثلاث مراحل: هدف قصير المدى يتمثل في ضرب وحدة المسؤولين، وهدف متوسط هو إضعاف تماسك المجتمع، وهدف بعيد يسعى إلى تفكيك الدولة، مؤكداً أن مواجهتها تستلزم وحدة داخلية وتماسكاً بين القيادة والمسؤولين والشعب.
صحف محافظة تنتقد
في الأثناء وفي تطور لافت، وجّهت صحف ووسائل إعلام محافظة معروفة بتشددها انتقادات لمشاركين في المسيرات الليلية، إذ كتبت صحيفة كيهان في عددها الصادر الأحد الماضي أنّ بعض الأشخاص يظهرون في التجمعات الليلية بلباس "الثوريين" ويحاولون من خلال شعارات راديكالية أو عبر تحريك مشاعر المشاركين، إثارة التوتر حول قضايا سياسية، ولا سيما مسألة المفاوضات. ودعت الصحيفة المواطنين إلى مواجهة هذه التحركات عبر ترديد شعارات تُعزز الوحدة وتُفشل "المخططات المريبة" لهؤلاء، بحسب وصفها.
أما صحيفة جوان المحافظة، فنشرت من جهتها مقالاً انتقادياً تناول ظاهرة انتشار التعليقات وما سمته "الانفعالات غير المتخصّصة" بشأن قضايا عسكرية ودبلوماسية وأمنية وشرعية. وقالت الصحيفة إنّ كثيرين يناقشون تفاصيل العمليات العسكرية وجدول الأهداف، أو يبدون آراءهم في المفاوضات الدبلوماسية وزيارات الوفود الرسمية، بل وحتى في القرارات الفقهية لوليّ الفقيه بشأن المسائل النووية أو فريضة الحج، من دون امتلاك المعرفة الكافية بهذه المجالات. وأضافت الصحيفة أنّ البعض يذهب إلى حدّ توجيه الاتهامات للنظام والدعوة إلى تعطيل مناسك الحج من دون درايةٍ بأحكام الشريعة أو الاعتبارات الأمنية. يشار إلى أن تيارات إيرانية محافظة انتقدت قرار إرسال الحجاج الإيرانيين إلى موسم الحج هذا العام في ظل ظروف الحرب في المنطقة.
جذور الجماعة المتنفذة
ويقول الخبير الإيراني أحمد زيد آبادي، لـ"العربي الجديد"، إن السلطة في البلاد، ومن أجل مواجهة الحركة الإصلاحية سبق أن قامت بتنظيم حركة مضادّة بدعم فكري من المرجع الديني الراحل محمد تقي مصباح يزدي وتلامذته، مضيفاً أن أيديولوجية هذه الحركة تقوم على رفض أي مسار يؤدي إلى "تطبيع" الأوضاع في البلاد. ويوضح زيد آبادي أن هذه المجموعة شكّلت خلال أعوام طويلة إحدى القواعد الأساسية الداعمة للنظام، خصوصاً في الشارع، وأن استمرار السلطة كان مرتبطاً وفق تقديره بحضور هذا التيار. ويضيف أن هذا الجمهور لم يعد يكتفي بتأييد السياسات الرسمية، بل أصبح، بتوجيه من "مجموعة محددة"، يمارس دوراً مؤثراً في فرض توجهات معينة على الساحة السياسية. ويذكر أن هذه "المجموعة الخاصة" تضم قوى مقرّبة من "جبهة الصمود" المحافظة المتشددة التي قال إنها تمتلك النفوذ في مؤسسات مختلفة.
أحمد زيد آبادي: تيار "جبهة الصمود" يستخدم حضوره في الشارع للضغط على البراغماتيين داخل النظام
يشار إلى أن "جبهة صمود الثورة الإسلامية"، المعروفة باسم "جبهة الصمود" (جبهه بايداري)، هي مجموعة سياسية إيرانية ذات توجّه محافظ، وقد وُصفت بأنها "أكثر الأحزاب الإيرانية يميناً". تأسست هذه الجبهة عام 2011 من وزراء سابقين في حكومة الرئيس الإيراني المحافظ الأسبق محمود أحمدي نجاد. وكان المرجع الراحل محمد تقي مصباح يزدي يُعدّ الزعيم الروحي لهذه الجبهة.
ويلفت زيد آبادي إلى أن بعض وسائل الإعلام الرسمية بدأت تبتعد عن هذا التيار، إمّا بتوجيهات معينة أو انطلاقاً من قناعة بضرورة اعتماد قدر من المرونة للحفاظ على البقاء. لكنه يشدّد على أن التيار المشار إليه ما زال يستخدم حضوره في الشارع للضغط على البراغماتيين داخل النظام. وبحسب زيد آبادي، فإن هذه المجموعة تحوّلت إلى "تحدٍّ رئيسي" أمام الدولة، لافتاً إلى أن السلطة إما أن تعمل على توسيع قاعدتها الاجتماعية باتجاه الفئات الوسطية للحدّ من نفوذ هذا التيار وإبعاده عن مركز القرار، أو تجد نفسها مقيّدة في خطواتها ومبادراتها في مختلف المجالات، وهو ما قد يترك بحسب تعبيره تبعات ثقيلة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة ووجود تهديدات خارجية.

أخبار ذات صلة.
29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة