قاآني في بغداد... أيُّ رسائل؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يُعرف كيف وصل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، خصوصاً أنّه مُستهدَف، نظرياً على الأقلّ، وأنّ تحرّكات رجال النظام الإيراني تحفّها مخاطر الاغتيال رغم الهدنة المؤقّتة، ما اُضطر السلطات الباكستانية إلى مرافقة الوفد الإيراني إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام أباد (في 11 و12 إبريل/ نيسان الجاري) بعشرين مقاتلة حربية لتأمينه. وإذا كان هذا شأن وفد مدني، فما بالك بجنرال يتبوّأ منصب قائد فيلق القدس، وهو عدوّ علني في التصنيفَين الأميركي والإسرائيلي. وما لم يكن الجنرال قاآني عبقرياً في التخفّي والتنقّل أو "قطّاً بأرواح سبع"، فإنّ الغموض الذي يحيط بتحرّكاته يعزّز لدى بعضهم شكوكاً روّجتها وسائل الإعلام بعمالته لإسرائيل من دون أن يؤكّدها. فحتى اللحظة، لا يُعرف كيف نجا الرجل من سلسلة اغتيالات طاولت أبرز جنرالات بلاده، حتى مرشد الجمهورية نفسه، آية الله علي خامنئي. قيل في حينه إنّ قاآني شوهد وهو يخرج من المبنى الذي استُهدف فيه خامنئي، وربّما يكون ذلك نوعاً من "اغتيال الشخصية" قامت به إسرائيل بعد تعذّر اغتياله، وقد يكون وراء ذلك معارضون لقاآني في منظومة النظام نفسه. لكنّ هذا كلّه لا يحول دون الإشارة إلى نجاته غير مرّة، وفي آخر لحظة، من عمليات استهداف كُبرى، سواء حدثت في لبنان خلال اغتيال هاشم صفي الدين (خليفة الأمين العام لحزب الله الراحل حسن نصر الله، في أكتوبر/ تشرين الأول 2024) أو بعده، أو في إيران خلال حرب ال12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025. لكنّ هذا الغموض لا ينفي وضوحاً من نوع آخر يتعلّق بمهمّة الرجل، وهو أنّه ما زال على رأس عمله، بل يواصله في بغداد هندسةً وترشيحاً وانتخاباً لرئيس وزراء عراقي بعد تعسّر التوصّل إلى إجماع في "الإطار التنسيقي" (تحالف سياسي يضمّ أبرز الكتل السياسية والبرلمانية الشيعية في العراق)، لوجود "فيتو" أميركي على من يوصف بصانع الملوك، نوري المالكي، وهو الحليف الأوثق لطهران أمس واليوم وغداً. يؤكد وضوح مهمّة قاآني أنّ بلاده على عنادها في إدارة علاقاتها بدول الجوار، القائمة على التدخّل المباشر والفجّ كما في العراق ولبنان واليمن، أو الانتقام الذي يفتقر لأيّ مبرّر سياسي أو أخلاقي، كما في قصفها دول الجوار الخليجي خلال الحرب أخيراً، وأنّها غير مستعدّة بعد لإبداء أيّ حسن نيّة تجاه هذا الجوار، وكان المأمول أن تفعل. هذا يعزّز مخاوف مشروعة، ربّما كانت قبل ذلك نظريةً أو مضخّمةً لدى دول المنظومة الخليجية، ولا يُطمئنها أبداً. فهي أصبحت عملياً بين مشروعَين توسّعيَّين، إيراني وإسرائيلي، على ما بينهما من عداوة أو احتراب، وعليها بالتالي أن تجترح، مضطرّةً، استراتيجيات دفاعية جديدة وخلّاقة للحفاظ على سيادة دولها وحماية مواطنيها ومصالحها في اليوم التالي للحرب، فالرهان على إيران عدواً عاقلاً يبدو أنّه سقط إلى الأبد، ما لم يتغيّر نظامها الحالي، وهذا متعذّر حالياً. فشلت محادثات إسلام أباد أو نجحت، ستظلّ علاقة طهران بجوارها على حالها، إن لم تصبح أسوأ، خاصّةً أنّ بقاء النظام في حال التوصّل إلى صفقة أو سواها يُعتبر إنجازاً في حدّ ذاته، بل انتصاراً بالنسبة إلى النخبة الإيرانية الحاكمة، وأنّ تغييب دول الخليج من طاولة المحادثات الخاصّة بالحرب وتبعاتها من شأنه زيادة العدوانية لدى بعض دوائر النفوذ في طهران، وربّما تغذية أوهامها بأنّ يدها طليقةٌ في المنطقة (باستثناء إسرائيل)، وتحديداً في الجوار الخليجي. تحدّث قاآني في بغداد عن حقّ الشعب العراقي في تشكيل حكومته، وعن ضرورة كفّ يد "مرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية" وعن وقف التدخّل في شؤون العراق الداخلية (يقصد الولايات المتحدة)، وهو ما ينطبق على بلاده بالضبط، إذا استثنينا، بالطبع، الجرائم ضدّ الإنسانية، فما تفعله طهران منذ أكثر من أربعة عقود هو التدخّل في الشأن العراقي، ما تسبّب في إلحاق واحدة من أكبر دول المشرق العربي وإفقارها وتدميرها وتسميم العلاقات بين مكوّناتها. وكان الظنّ أنّ الحرب على إيران ستدفعها إلى إعادة حساباتها في علاقاتها مع جوارها، لكنّ زيارة قاآني تؤكّد أنّها ماضيةٌ في استعدائه لا طمأنته، وأنّ إعادة ضبط جذرية للعلاقات أصبحت ضرورةً وجوديةً لهذه الدول في مقبل الأيّام.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية