عربي
عادت قضية الإيغور في إقليم شينجيانغ، شمال غربي الصين، إلى واجهة الاهتمام الدولي خلال اليومين الماضيين، مع تواتر تقارير تتحدث عن انتهاكات جسيمة ضد الأقلية المسلمة، تم رصدها بواسطة أشخاص شهدوا بعض هذه الممارسات قبل أن يتمكنوا من الفرار خارج الإقليم للإدلاء بشهاداتهم. أبرز هذه الشهادات الحديثة كانت لضابط شرطة من شينجيانغ يدعى جانغ يابو، سافر إلى ألمانيا في مجموعة سياحية في أغسطس/آب 2025، وخلال رحلته انفصل عمداً عن المجموعة ونجح في الهروب قبل أن يقدم طلب لجوء في ألمانيا. حسب شهادة جانغ التي أدلى بها لمجلة دير شبيغل الألمانية، والتي نُشرت في 16 إبريل/نيسان الحالي، مرفقة بصورة لهويته الشرطية، وكذلك صور له وهو يرتدي زياً أسود أمام سجن في شينجيانغ، فإن مهمته الرئيسية كانت أثناء عمله في أحد السجون مرافقة المحتجزين الخاضعين للتحقيق إلى أماكن محددة للاستجواب. وكان هؤلاء المحتجزون في الغالب من الإيغور في شينجيانغ.
على الرغم من أن السلطات الصينية تقيد بشدة المعلومات المتعلقة بمعسكرات الاعتقال، أكد جانغ يابو أن المعتقلين الذين يظهرون عصياناً داخل السجن يتعرضون للتعذيب بوصفهم "متطرفين". ووصف الأوضاع داخل المعتقلات بالسيئة. وأضاف أن بعض ضباط الشرطة يضربون السجناء بالهراوات بقوة شديدة لدرجة أن الهراوات الخشبية انكسرت. كما ذكر أن "أحد الحراس قام بركل شاب في خصيتيه مراراً، وقد توفي هذا الشخص لاحقاً". وذكرت المجلة الألمانية أن جانغ يابو كان يحمل حقيبة ظهر رمادية اللون تحتوي على جهاز كمبيوتر محمول. وكان على قرصه الصلب وثائق من فترة خدمته ضابط شرطة في شينجيانغ، واعتبرتها أدلة على اضطهاد السلطات الصينية للإيغور.
جيانغ براون: معسكرات الاعتقال ليست نسجاً من خيال وافتراءات غربية كما تحاول أن تسوّق بكين
شهادات في قضية الإيغور
أيضاً هناك شهادة أخرى في سياق قضية الإيغور نقلتها صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية، الأحد الماضي، عن إمرأة صينية من أصل كازاخستاني تقيم في السويد منذ أن فرت من شينجيانغ عام 2018، قالت إنها تعرضت للتعذيب وأُجبرت على العمل الشاق في أحد معسكرات الاعتقال الصينية. وجاءت هذه الشهادة في سياق انتقاد زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى بكين نهاية يناير/كانون الثاني الماضي. وقالت سايراغول ساويتباي في شهادتها، وهي تشغل منصب نائب رئيس حكومة تركستان الشرقية في المنفى: لقد تركتنا تصرفات الحكومة البريطانية الأخيرة في حالة من القلق والخوف الشديدين، مضيفةً أن بريطانيا لا يحق لها الحديث عن الحرية والديمقراطية في ظل سعيها لتعزيز علاقاتها مع الرئيس شي جين بينغ.
أيضاً في ذات السياق، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش، مقالاً بشأن قضية الإيغور للباحث المتخصص في شؤون الصين في المنظمة يالكون يوليول، يوم الاثنين الماضي، بعنوان: "يستمر قمع الإيغور بينما يمضي العالم قدماً". وجاء فيه أن السلطات الصينية في إقليم شينجيانغ نشرت أدوات مراقبة جماعية، من بينها منصة تُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة"، لتتبع الجميع وتحركاتهم واتصالاتهم واستخدامهم للهواتف ومحتوياتها ومواقع مركباتهم وتفاعلهم مع أشخاص في الخارج. وذكرت أن هذه الأدوات ساعدت في تحديد هوية مستخدمي تطبيقات، مثل واتساب أو شبكة افتراضية خاصة (VPN)، التي تُمكّن سكان شينجيانغ من تجاوز بعض إجراءات المراقبة الحكومية.
وذكر المقال أن بكين عملت بجدٍّ على تقويض الجهود الدولية للدفاع عن حقوق الإيغور من خلال رفع تكلفة تحدي روايتها، وصنع وهمٍ بالوضع الطبيعي في شينجيانغ. وأضاف أن السلطات الصينية وسّعت نطاق مراقبة الإيغور في الخارج، ومارست الترهيب ضد نشطاء الشتات والباحثين، وتدخلت في آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ونظّمت جولات دعائية مُحكمة الرقابة للدبلوماسيين والصحافيين الأجانب، في حين منعت وصول محققي حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة بشكل مستقل إلى الإقليم.
في إطار قضية الإيغور ومستجداتها، يقول الناشط الحقوقي المقيم في هونغ كونغ جيانغ براون، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن خروج شهادات جديدة على الممارسات الصينية القمعية بحق الإيغور في شينجيانغ، إلى دائرة الضوء، يؤكد أن معسكرات الاعتقال ليست نسجاً من خيال وافتراءات الغرب كما تحاول أن تسوّق بكين. وأضاف أن اللافت في الشهادات الأخيرة أنها جاءت من أحد الضباط العاملين داخل السجون، وهي شهادة موثقة بالمستندات والأدلة القاطعة التي لا تترك مجالاً للشك. واعتبر جيانغ، أن إعادة الحديث عن قضية الإيغور في هذا التوقيت الحرج الذي ينشغل فيه العالم بتداعيات الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج، مهم جداً في توجيه رسالة إلى بكين بأن المجتمع الدولي لا يزال يقظاً إزاء هذه القضية، ويتابع عن كثب كل ما يصدر عن النشطاء والمضطهدين في إقليم شينجيانغ. ولفت جيانغ إلى أن ذلك قد يمثل أداة ردع، في ظل توقعات بأن تستغل الصين الانشغال الدولي بالحرب الأميركية الإيرانية، في زيادة وتيرة إجراءاتها التعسفية بحق الإيغور، من خلال تشديد الرقابة والملاحقة القضائية وتوسيع معسكرات الاعتقال وطمس الحقائق، وتهديد كل من لديهم صلات بالعالم الخارجي سواء مع أقرباء لهم فروا سابقاً من الإقليم، أو منظمات حقوقية.
لين وي: يبدو أن توقيت النشر المتزامن لهذه التقارير بشأن قضية الإيغور مرتبط برغبة لدى جهات محددة في قطع الطريق أمام أي تقارب غربي مع الصين
اعتراضات صينية
وفي تعليقه على التقارير ذات الصلة، يقول الباحث في معهد جيانغ شي للدراسات السياسية لين وي، في حديث مع "العربي الجديد"، يبدو أن توقيت النشر المتزامن لهذه التقارير بشأن قضية الإيغور مرتبط برغبة لدى جهات محددة في قطع الطريق أمام أي تقارب غربي مع الصين، في ظل أزمة الثقة التي خلقتها سياسات ترامب الخارجية مع حلفائه الأوروبيين. وأضاف أن بكين خبرت هذا النوع من الابتزاز جيداً، وعادة ما يرتبط الحديث عن قضية الإيغور بأجندات سياسية لا علاقة لها بحقوق الإنسان والقيم الغربية الزائفة. وتساءل لين: أين هذه الأصوات التي تصدح للدفاع عن الإيغور بزعم اضطهادهم، مما حدث في غزة ويحدث اليوم في إيران ولبنان؟ هناك عشرات الآلاف من الأطفال يقتلون على مرأى العالم ويحرقون على الهواء مباشرة، ولا أحد يحرك ساكناً، في حين أن خروج رواية ملفقة عن انتهاكات مزعومة في إقليم شينجيانغ تشغل الرأي العام الغربي وتحتل عناوين الصحف العالمية، هذه ازدواجية فجّة تكشف زيف الادعاءات الغربية.
يشار إلى أنه خلال السنوات الأخيرة تصاعدت حدة الانتقادات الدولية للصين بشأن الانتهاكات في شينجيانغ، إذ تتهم منظمات ومؤسسات حقوقية دولية، السلطات الصينية باحتجاز أكثر من مليون شخص من المسلمين الإيغور في معسكرات اعتقال، وممارسة إبادة جماعية بحقهم تشمل العمل القسري وتدابير أخرى جبرية لتحديد النسل. وإزاء ذلك، فرضت حكومات غربية عقوبات على مسؤولين صينيين متهمين بارتكاب تلك الانتهاكات. غير أن بكين تنفي بشدة هذه الاتهامات، وتؤكد مراراً أن معسكرات الاعتقال ليست سوى "مراكز تدريب مهني"، وأنها "تهدف إلى تأهيل السكان للمشاركة في دعم التنمية الاقتصادية"، بالإضافة إلى "نزع فكرة التطرف من المتأثرين بالأيديولوجية الجهادية".
