عربي
سواءٌ كنا نتلقّى خطبةً، أو بياناً سياسياً، أو إعلانَ إطلاق حزب، أو رواية، أو فيلماً سينمائياً، أو عرضَ تقسيط لمفروشات، فأوّل ما يخطر في بالنا: من القائل؟ لن نهتمّ لمضمون البيان السياسي، ولا لبرنامج الحزب، سنهتم بموقّعي البيان وأعضاء مكتب الحزب. وحين تُعلن جائزةٌ أدبيةٌ أو فنّيةٌ، تمتدّ أعناقنا لمعرفة لجنة التحكيم، ولنبش الروابط بين أحد أعضائها والفائز؛ مصاهرة أو رفاقية حزبية أو مصالح تجارية. وحين يسند مخرج دور البطولة لممثّلة معيّنة، فلشيءٌ شخصي بينهما، أو بينها وبين المنتج.
نسمّي هذه الحالة الشخصنة، ونعرف أنّها طريقة تفكير سيئة وظالمة، بل وضارّة بنا، لكن هذه طبيعتنا، وهكذا هو عقلنا الشرقي. ولطالما كنّا كذلك، ولم ينجُ من هذا الخطل سوى قلّة نادرة منّا، كانت محظوظةً لتحتكّ بثقافات وفلسفات أخرى، أو تصل، بجهدها العقلي الذاتي، إلى التخلّص من هذه البكتيريا العقلية.
والظنّ أنّ جذور عيبنا هذا تعود إلى مرحلة تأسيس عقلنا العربي، وهي فترة القرنَين الأوّل والثاني للهجرة. وحين أقول التأسيس، فإنني أريد الاستشهاد بأمبرتو إيكو، الذي سألوه يوماً عن سبب تركيزه على العصور الوسطى في بحثه وأدبه، فقال: "أوّل ما يفعله الطبيب النفسي حين نذهب إليه أن يحاول إيقاظ ذكريات طفولتنا، فأمراضنا كلّها تقع هناك"، وأنا أظنّ أنّ العصور الوسطى هي طفولة العقل الأوروبي، وبالقياس إليه، أظنّ طفولة العقل العربي تقع بين منتصف القرن السابع الميلادي ومنتصف القرن العاشر. ففي هذه القرون تشكّلت لغتنا وبلاغتها وبنيانها كما نعرفها، تشكّلت عقائدنا، وطرقنا المختلفة لفهم كتابنا المقدّس، علاقتنا بقبائلنا وأسلافنا، شكل الحكم الذي يناسبنا، أو ما نظنّه كذلك، نظرتنا إلى الغريب، وظنّنا في نظرة الغريب إلينا. وكنّا في ذلك كلّه، وسواه، نبحث عن الأشخاص لنحدّد موقفنا من القضايا.
وهذه الشخصنة تشكّلت في تلك الحقبة، وتجذرّت خلالها حتى سكنت لاوعينا وصارت جزءاً من شخصيتنا العربية، إلّا من رحم ربّي. في تلك الحقبة، بين وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأواخر القرن الثاني الهجري، حدث انقطاع في التدوين العربي، وصارت الكتابة مذمومةً، يُعاب على مثقّف أن يتقنها، ومثقّف ذاك العصر هو الشاعر أو النسّابة أو راوي الحديث، أو الإخباري أو مؤرّخ الأيام (المعارك والأحداث المشهودة). وكانوا يقولون: ميزان الشاعر صدره لا قرطاسه، والعلم مجده في القلوب لا الصحف. وكان اضطرار المثقّف لكتابة علمه على الرقع يدلّ على نقص في قريحته وحفظه، وتشويش ذهنه، وضعف ملكته، وعدم اتقانه صنعته، وكانت الكتابة بذاتها صنعة بعض الحرفيين، وتكاد تقتصر على الرسائل وشؤون الدولة، وكانت تشبه مهنة التنضيد في بدايات استخدام الحاسوب. ويُروى عن الشاعر ذي الرُّمة (غيلان بن عقبة العدوي) أنّه كان يملي قصيدةً على كاتبه ليرسلها إلى أمير، فأخطأ هذا في كتابة كلمة، فانتبه ذي الرُّمة وقال: "ليست كذا بل كذا". فنظر الكاتب إليه مذهولاً وقال: "أتعرف الكتابة؟"، فقال ذي الرُّمة: "اكتمها عليّ" (يروي الأصفهاني في الأغاني أنّه قال: الشعر يخطئه القلم).
وقد بدأ هذا الموقف من الكتابة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، حين قال قائل: "الرسول لم يكن يكتب، فمَن أنا لأكتب". وسار القول قاعدةً لم يكسرها إلا دخول الفرس في دواوين العبّاسيين وإعادتهم الاعتبار للكتابة.
في ذلك القرن، كان كتاب ابن هشام في السيرة النبوية: "تهذيب سيرة ابن إسحاق" (182 هـ) من أوائل كتب السيرة التي وصلتنا. وفي تلك السنين أيضاً بدأ جمع الحديث، ووجد الناس أنّ تلك الأحداث والأحاديث كُتبت منقولةً عبر خمسة أو ستة أجيال، ولا توجد كتابة متّصلة تمكّن العالم من تتبّع دقّتها، وما من وسيلة لديه لمعرفة صدقها من كذبها، سوى تقييم الرجال الذين تناقلوها، وهنا ظهر علم الجرح والتعديل، الذي جعل من تقييم شخص ما أداةً معرفيةً، بل الأداة الوحيدة.
وبذلك صار لدينا أداة تفكير، علقت بعقولنا منذ أن أُسقِطَ حديث لأنّ رجلاً يقع في سلسلة رواته، باع قماشاً من دون أن يظهر عيبه للمشتري. وبقيت عالقةً حتى رفض دعوة سياسية محقّة، لأنّ من دعا إليها شُوهد يشتري علبة "فياغرا" من صيدلية قرب فندق.
