ترامب... هل يُستتاب المتغطرس؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
(1) ثمّة ملاحظاتٌ قد لا تغيب عن نظر المتابعين لتداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما جرى من تداعيات لتصعيد وتوسّع في المواجهات العسكرية، لتقع اعتداءات غير مبرّرة على بعض بلدان الخليج. لم يقف التصعيد عند تواصل الاعتداءات الإسرائيلية حتى تصل إلى لبنان بعد قطاع غزّة. لعلّ أولى الملاحظات على ذلك العدوان، وتلك الاعتداءات، غياب أيّ دور للأمم المتحدة التي من أوجب واجبات ميثاقها، (1945)، حفظ السِّلم والأمن الدوليين. تجاهل الرئيس الأميركي الذي تحالف مع دولة إسرائيل في العدوان على إيران متعمّداً جملة المبادئ والمواثيق الدولية. ومضى في بتعزيز انسحابه من منظّمات فرعية وهيئات ووكالات متخصّصة للأمم المتحدة عديدة. لم يكتفِ بهذا، بل تمادى في تجاهل المنظّمة الأممية ومجلس الأمن الذي لبلاده فيه حقّ النقض (فيتو)، لكنّه آثر أن يطرح مجلساً بديلاً تولّى رئاسته ومنحه اسم "مجلس السلام". تلك فرية بلغاء، إذ أوغل الرجل في الاعتداء على حقوق سيادة العديد من الدول واستقلالها، ناهيك عن التمادي في إشعال الحروب هنا وهناك. (2) الملاحظة الثانية دعوة الرئيس الأميركي وإعلانه نيّته، منذ أول أيام توليه الرئاسة، أنّ برنامجه سيركّز على استعادة "المجد الأميركي". وذلك هو المجد الذي ضيّعه أسلافه من الرؤساء الديمقراطيين الذين انتخبهم الشعب الأميركي، وتعاقبوا على البيت الأبيض، فضيّع أشرارهم في نظره ذلك المجد. ولتحقيق شعاره المعلَن، شرع لاستعادة ذلك المجد المدّعى عبر اتباع تنمّر في سياسة خارجية مرذولة، حملت استخفافاً صريحاً بسيادة الدول، وتجاهلاً متعمّداً للمواثيق الدولية كما أشرنا أعلاه. بلغ تنمّر إدارة الرئيس مرحلة أعلى في إقدامه على اعتقال رئيس دولة مستقلّة من غرفة نومه وفي عاصمة بلاده، مثلما حدث في فنزويلا. وقبل ذلك أرسل تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند، ثم بلغ ذروته في العدوان بمشاركة إسرائيل على إيران، وما شهد العالم بعدها من تصعيد واستهداف لبعض دول الخليج. ففضّلت الولايات المتحدة تجاوز الدبلوماسية في التفاوض مع إيران إلى القفز إلى استعمال القوة الغاشمة، وبمبرّرات خلافات سياسية واهية. كان واضحاً أنّ هدف العدوان، ووفق تصريحات الرئيس الأميركي، هو إسقاط النظام الإيراني، وأنّ ثمّة نيات مستبطنة ربّما تفضي إلى تغيير كامل لخريطة الشرق الأوسط، بما يوافق الأهواء الإسرائيلية التوراتية. (3) ثم لا تنتهي الحرب إلى ما كان يتوقّعه الطرفان المعتديان، فيجنح الأميركي إلى الاستجابة لمبادرة استضافتها إسلام أباد إلى تفاوض جادّ حول وقف الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، أسفر عن هدنة قصيرة. غير أن التفاوض عموماً ما عاد تقليدياً كما درجنا أن نراه يدور في جلسات تقليدية مباشرة تجمع خصمين وجهاً لوجه حول طاولات في قاعات محاطة بسرّية، لكن أخذ التفاوض أوجهاً إسفيرية بعد ثورة الرقميات، ليتجاوز الأمكنة، فيتحوّل إلى ما يشبه المطارحات الإعلامية التي تدور في وسائل اتصال افتراضية. جوبهت حروب وقرارات ترامب بحملات مناهضة قوية في الشارع الأميركي، وشاركت في بعضها الأجهزة التشريعية الأميركية عندها برزت تعقيدات لم تكن في حسابات المعتدين، منها احتمال أن يفضي التفاوض بين الجانبَين الأميركي والإيراني إلى ملفّات أخرى تتفرّع منه، مثل موضوع إلزام إسرائيل بهدنة توقف اعتداءها على لبنان، بما قد يزيد التفاوض تعقيداً. (4) يتّصل الأمر الثاني بموضوع التصريحات المتناقضة قبيل انعقاد جولة التفاوض، إذ كلّ طرف من المتقاتليْن حسب نفسه المنتصر، وكأنّ المهزوم الوحيد في تلك الحرب المجتمع الدولي بأكمله. وما إن انفضّ التفاوض القصير الذي استضافته باكستان، حتى سارع الرئيس الأميركي بإطلاق تصريحات نارية، ربّما ممّا سمعه من مستشاريه، ثم يتداول الإعلام العالمي في الوقت نفسه تصريحات إيرانية تناقض تلك التصريحات الأميركية. لكن نرصد أيضاً من الطرف الإيراني تعقيداً أكثر، ذلك أنّ ثمّة ضبابية حول مصادر التصريحات الإيرانية الرسمية، إذ إن للحرس الثوري (الباسدران) صوتاً أعلى من أصوات القادة السياسيين الإيرانيين، بل إنّ صوت "الباسدران" هو الأكثر مصداقية. وإن تابعنا ما انتهت إليه جولة التفاوض في إسلام أباد، تحوّلت الساحات الإعلامية ساحةً لتفاوض من نوع آخر، له أسلوبه ولغته. يرى المتابع أنّ اللغة التي يصدر بها أيّ تصريح من هنا أو من هناك تحمل كثيراً من المدلولات المتناقضة. إنّ اللغة ليست لساناً فحسب، بل هي حالة ذهنية وأسلوب تفكير. وما يصدر عن الطرف الإيراني بلسانه الفارسي قد يحمل معنىً يختلف فهمه، بل ربّما يصل معكوساً تماماً عند متلقيه الأميركي إلى أذنه ولسانه الإنكليزي. (5) تتّصل الملاحظة الثالثة بالداخل الأميركي، إذ بات واضحاً تأثّر شعبية الرئيس ترامب، وبعد عام من توليه الرئاسة في البيت الأبيض، جراء سياساته الخرقاء في الداخل كما في الخارج. ذلك ما قد يشكّل ضغطاً على إدارة الرئيس، خصوصاً وهي قد تواجه معركة شرسة مع الحزب الديمقراطي والانتخابات النصفية على الأبواب في نوفمبر/ تشرين الأول المقبل هذا العام. لقد بلغت نسبة تدنّي شعبية الرئيس ترامب مستوى 30%، فيما دشّن الديمقراطيون حملة قاسية على إدارة ترامب. انتقدوا إدارة تطلق الحرس المسلّح لملاحقة المهاجرين والمجنّسين، عارضتها ولايات أميركية عديدة، ومنهم من رآها استعادةً لسياسات عنصرية بائدة ودّعتها الولايات المتحدة منذ أواسط سنوات القرن العشرين. عجز عن إدانة حرب أشعلها متغطرس أميركي، وعجز عن إيقافها بجهد فاعل خير من المجتمع الدولي أمّا تأييد إدارة ترامب إسرائيل في حربها على غزّة، ثم اعتداؤه على فنزويلا، وإكماله حماقاته بحرب شاركته فيها إسرائيل ضدّ إيران، فقد جوبهت بحملات مناهضة قوية في الشارع الأميركي، وشاركت في بعضها الأجهزة التشريعية الأميركية. (6) لقد تنفّس المجتمع الدولي الصعداء للجنوح إلى التفاوض لإيقاف العدوان الأميركي الإسرائيلي، والذي أقرّ هدنة الأسبوعين. الأمم المتحدة التي غرقت في أمواج تجاهلها من الأميركي المتغطرس، سارع أمينها العام مرحّباً، ثم لم تمضِ ساعات حتى غرق تصريحه إلى أعماق البحر، إذ ما صدر رسمياً من إيران عن فتح هرمز نفاه، فيما يبدو، "الباسدران"، وهو الحرس الثوري ذو الصوت الأعلى في سلطة الدولة. ذلك هو اضطراب القرار السياسي بين "أفندية" الثورة الإيرانية وحرّاسها. ثم انقطع لسان الأمم المتحدة. هكذا بقي المجتمع الدولي، وللأسف، غارقاً في عجزه في حالتَين، حال إدانة حرب أشعلها متغطرس أميركي، وحال عجز عن إيقافها بجهد فاعل خير من المجتمع الدولي. ثم نسمع أصواتاً هنا وهناك عن ضرورة العودة لذهنية تستعيد للمجتمع الدولي روح مبادئه ومواثيقه وقوانينه، وهي تلك التي أهدرها رئيس أميركي أسكرته الغطرسة. غير أنّ هناك صحوة مرتقبة للأجهزة التشريعية الأميركية، قد يتعرّض بعدها المتغطرس لاستتابة لازمة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية