عربي
ربما لا يستطيع أحد التحكم بحياته والأحداث المحيطة به وحده، خصوصاً حين يفشل رهان الوعي والتمتع بالمكانة الاجتماعية أو الثقافية في عزل المرء عن بيئته ومدينته، وإن استطاع، فهل ينقذه هذا من ملاقاة مصائر الآخرين؟ يقع هذا السؤال في قلب رواية "بيت الجاز" (دار الشروق، 2025)، الحاصلة على جائزة الشيخ يوسف بن عيسى للكتاب في دورتها الأولى، ضمن فرع الآداب، إذ تقدم ثلاثة نماذج نسائية تتلاقى آلامها بفعل سطوة الواقع والمكان، رغم المحاولات الفردية للخلاص.
عبثية الخلاص
تستعيد الرواية إلى الأذهان مقولة ألبير كامو الذي يرى أن "الكتابة تمرد على عبثية الوجود"، إذ في مجتمع مسحوق تصوره الروائية المصرية نورا ناجي، تظهر نساء يجسدن أهمية البحث عن الخلاص وعبثية العثور عليه في الآن ذاته. تعاني كل منهن على مختلف المستويات الذاتية والاجتماعية، فالكاتبة رضوى وهي إحدى الشخصيات الرئيسة، تحاول توثيق ونقد واقع مرير عبر الوعي والثقافة، أما الطبيبة يمنى فإنها تقاوم بشاعة الحياة اليومية عبر مساعدة الناس، لكنها تعيش تناقضاً بين مرضاها الفقراء الذين يعانون الجذام، وآخرين أثرياء يبحثون عن رفاهية عمليات التجميل.
في المقابل، يتسبب اكتشاف الفتاة مرمر لقسوة العالم المحيط بها بحرق نفسها حتى الموت بعد أن تتعرض لاعتداء جنسي، مما يحيل إلى قصة الرواية التي لا توجد فيها بطولة تقليدية من أي نوع، عدا حضور الواقع الذي يفرض نفسه كحاجز يحاول الجميع تجاوزه، مما يعكس صورة أدبية لمفهوم الخلاص، الذي يتمثل باكتشاف الإنسان أن حزنه أو فشله أو حتى موته خلال محاولته الوصول إلى سلام مع الذات والعالم، هو رهان على أنه لن يبقى مخدوعاً ومهمشاً أو مظلوماً طوال حياته.
تحتلّ فكرة كسر دوامة الظلم الاجتماعي صُلب الرواية
يعكس هذا الرهان جوانب من المجتمع بطبقاته واختلافاته، سواء كان حَياً في مدينة طنطا المصرية، وهي بيئة الرواية العامة، أو في مصر أو العالم، ففي كل مكان توجد نماذج للتفاوت الطبقي وأنساق المعاناة التي يبدو مدهشاً جداً مدى انفصالها بعضها عن البعض الآخر رغم حدوثها في نفس المكان، فالكاتبة رضوى التي تربط بين أحلام الثورة المصرية وخبر سقوط طفل ولد حديثاً من نافذة مبنى أحد المستشفيات، تحاول منذ الصفحة الأولى للرواية، الكشف عن أن الأخبار التي تبدو عابرة، تحمل رموزاً وتفاصيل أخطر وأعمق من مجرد الاكتفاء بالاستماع إليها أو قراءتها والانتقال إلى ما بعدها، لأنها تشير في الأصل إلى معاناة يمكنها أن تلاحقنا في لحظة ما، كما تلاحق الآخرين.
من هنا تحتل فكرة كسر دوامة الظلم الاجتماعي صلب الرواية، ليس من منظور رضوى فقط، بل ويمنى التي شهدت على مأساة مرمر، وبات فعل الولادة لديها (أن تنجب طفلاً) فعلاً مخيفاً بعد أن رأت مصير الفتاة، وأصبحت تعتقد أن "الحيوات كلها معادة ومكررة. لا خيال في بدء حياة جديدة، فكل من سيولدون، سيولدون بذاكرة قديمة وحياة قديمة، وكل من سيرحلون سيعرفون أنهم لم يعيشوا الحياة كما كان يجب عليهم عيشها".
وجه الحياة ووجه الكتابة
رغم الوقائع المأساوية التي تقدمها الرواية، ترى رضوى أن الحياة أقل قسوة من الكتابة أحياناً، إذ تنتقد البيئة الثقافية التي تشكل جزءاً كبيراً من حياتها، وتؤرقها بما تحمله من أجواء المنافسة الأدبية والمجاملات والتعاملات السطحية القائمة على البحث عن الشهرة مثلاً، مما يجعلها تشعر بأن الكتابة عبث لا تفهمه، وأنها جديرة ربما أن تكون امرأة عادية تعيش حياة بسيطة غير معقدة. لكن هذا الشعور لا يصدر عن رغبتها في جني ثمار إبداعاتها فقط، بل في محاولتها فهم الأثر الذي يكمن خلف الرواية التي تكتبها، إذ ترى أن تأثيرها ربما يندثر بعد أيام أو شهور لدى القراء، لا من خلال القيمة الأدبية للرواية نفسها، بل بما تحمله قصتها من حكاية مؤلمة تستحق الالتفات إليها وعدم تهميشها.
تعتمد المؤلفة إذن على تداخل الروايات، فعدا عن رضوى التي تكشف معاناة الكاتب بين جدوى الكتابة ووطأة واقع أليم يحيط به، فإن حكاية يمنى تُظهرُ دور الجهل والتواطؤ والصمت في إخفاء الكثير من الروايات التي يعيشها الناس فعلاً وتسهم في تدمير حياتهم، خصوصاً النساء، فانتحار مرمر الذي جسد هذه العيوب الاجتماعية، انتقل بصورة أو بأخرى ليصبح جزءاً من ذكريات يمنى، أي أن هذه القصص المهمشة لا تنتهي بمجرد السكوت عنها أو إهمالها، بل تنتقل إلى آخرين رغم قسوتها، وظلت تتكرر بين حين وآخر وكأن مصير أبطالها المأساوي أمر لا بد أن يُستعاد بسبب عدم وجود رغبة جماعية في تصحيح المسار.
تتجلى فكرة العجز هذه من خلال البيئة العامة أيضاً، فالطبيبة يمنى عدا أنها تحمل ذاكرة الراحلة مرمر معها، فإنها لا تزال محاصرة في المكان ذاته، بيت الجاز والمقابر القريبة والحي الذي تتلاصق بيوته بحيث تفرض على السكان الاقتراب بعضهم من البعض الآخر في أفراحهم وأحزانهم، مما يمنعها أن تتخلص من الجانب المؤلم في ذاكرتها، فالبيئة راسخة لا تتغير، إذ لا يوجد أي تغيير عمراني أو اقتصادي أو ثقافي يمكن له أن يساعد في تجاوزها، مما يجعل حادثة مرمر تطاردها، إلى حد أنها باتت تخاف الإنجاب لاعتقادها أنه لن يكون هناك أي مستقبل لوليدها ما دامت الأوضاع على حالها.
يحيل تعدد الأصوات والروايات إذن، إلى رفض للواقع القائم على الركود وتبرير الاعتداء على النساء، والصمت على الجرائم الأسرية أو غيرها، وانعدام الرغبة في نبذ الجهل والتطوير عمرانياً وثقافياً لتغيير علاقة الإنسان بنفسه أولاً، وبالمكان ثانياً، وهو ما يفسر أن الرواية لم تتبع خطاً زمنياً واصحاً، أو أحداثاً متسلسلة، بل إن لغة الراويات النساء فيها اتسمت بالجرأة على الاقتراب من الألم ووصف الواقع والأدوات والأماكن والظروف كما هي دون تجميل أو زخرفة لغوية، مما يضع القارئ أمام مشهد واضح للفوضى التي ينتجها العنف والخوف.
يتخذ الأدب المعاصر من التشويق أداة مهمة في جذب القراء والحفاظ على دوره وحضوره في عالم متسارع، مما يعني أن رواية "بيت الجاز" التي لا تستخدم هذه الأداة تحتاج إلى وقفة تأمل، فتداخل تجارب النساء الثلاث واختلاطها بالهم العام خير دليل على أن الإنسان كفرد، لا يمكنه ربما أن يحصل على الخلاص المنشود وحده.
* كاتب ومترجم من الأردن
