سوق الفن في مصر.. علاقة ملتبسة بين الفنان والغاليري والمقتني
Arab
4 days ago
share
في ظل سوق فني غير مُنظم، ومعايير غائبة، وعلاقة قد تكون ملتبسة أحياناً بين الأطراف الثلاثة التي تشكل بنية هذا السوق في مصر، وهي الفنان والغاليري والمقتني، قد يتحول سؤال السعر إلى مقامرة. قبل أسابيع قليلة، قرر الفنان المصري سمير عبد الغني أن يخرج من الإطار المعتاد لعرض الأعمال الفنية، متجاوزاً جدران الغاليريهات وقواعدها المستقرة. نظّم عبد الغني معرضاً لأعماله على صفحته على فيسبوك بعنوان "بساطة" استمر حوالي شهر، لكن المفارقة لم تكن في وسيلة العرض بقدر ما كانت في آلية البيع. لم يضع الفنان أي تسعير مسبق لأعماله، بل ترك الأمر بالكامل للمشتري، داعياً من يرغب في اقتناء عمل إلى اقتراح السعر الذي يراه مناسباً. بدت الفكرة مربكة لكثيرين. كيف يمكن تقييم عمل فني من دون مرجعية؟ وكيف يحدد المشتري قيمة ما يراه؟ ومع ذلك، نجحت التجربة سريعاً، إذ باع عبد الغني نحو 25 لوحة خلال فترة وجيزة. بدا هذا النجاح مؤشراً على سؤال مؤجل يتعلق بتسعير الأعمال الفنية، من يحدد القيمة؟ وعلى أي أساس؟ ما يحدث في الغالب هو تفاوض مباشر بين الفنان والمقتني في مصر، ورغم وجود حركة فنية نشطة، لا يمكن الحديث عن سوق فنية بالمعنى المؤسسي المتعارف عليه. لا توجد منظومة مزادات مستقرة، ولا شبكات معترف بها من المثمّنين، ولا سياسات ضريبية واضحة تشجع على اقتناء الأعمال الفنية. ما يحدث في الغالب هو تفاوض مباشر بين الفنان والمقتني، أو تسعير تفرضه الغاليريهات وفقاً لتقديراتها، مع اقتطاع نسب عمولة تراوح عادة بين 30 و50 %. يزداد الأمر تعقيداً في ظل التذبذب الاقتصادي. فعندما يتراجع سعر العملة المحلية، ترتفع الأسعار المعلنة للأعمال الفنية، لكن هذا الارتفاع لا يعكس بالضرورة زيادة حقيقية في القيمة، بقدر ما يعكس تضخماً يربك الجميع، من الفنان الذي يحاول الحفاظ على مستوى دخله، إلى المشتري الذي يفقد القدرة على التقدير. في غياب معايير واضحة، يلجأ الفنانون إلى اجتهادات شخصية عند التسعير. يضع البعض في الاعتبار حجم العمل، والخامة المستخدمة، وعدد ساعات التنفيذ، بينما يضيف آخرون عناصر مثل تاريخهم الفني، وعدد المعارض، والحضور النقدي. لكن هذه المعايير، رغم مشروعيتها، تظل فردية ومفتوحة على التقدير الذاتي، ما يجعل التسعير أقرب إلى الحدس منه إلى الحساب المتوازن. هذا الارتجال لا يضر بالمشتري فقط، بل ينعكس أيضاً على الفنان نفسه، فالتسعير المبالغ فيه قد يؤدي إلى ركود الأعمال، بينما يؤدي التسعير المنخفض إلى تقليل قيمة التجربة الفنية على المدى الطويل. الفنان المصري أحمد ليثي، وهو من جيل شاب كان له حضور مميز في عدد من المعارض الفردية، يستعيد تجربة مفصلية في مسيرته. في أحد معارضه عام 2022، لم تحقق أعماله نسبة المبيعات التي كان يأملها، رغم نجاح معرض سابق له. السبب، كما يروي، كان المبالغة في تقدير الأسعار، مدفوعاً بحماس النجاح السابق. لا يصدر كتيب استرشادي يتضمن قواعد لتقدير أسعار الأعمال تعلم ليثي من هذه التجربة درساً قاسياً، لكنه ضروري، وهو أن يكون التسعير واقعياً ومحسوباً، وأن يراعي تدرج المسيرة الفنية، وحجم الحضور، وطبيعة السوق. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى مسؤولية الطرف الآخر، أي الغاليري، الذي كان يفترض أن يتدخل لضبط الأسعار وتقديم تقدير أكثر توازناً، وهو ما لم يحدث. من الناحية النظرية، يلعب الغاليري دوراً محورياً في تشكيل السوق الفني. فهو يمنح الفنان شبكة علاقات، وجمهوراً محتملاً، وشرعية مؤسسية. غير أن هذه العلاقة في السياق المصري تبدو في كثير من الأحيان غير متكافئة. نادراً ما تُبرم عقود واضحة تحمي حقوق الفنان، وغالباً ما يتحمل الفنان الشاب عبئاً كبيراً من التكاليف غير المباشرة، مقابل فرص بيع محدودة. فهل الغاليري شريك في هذه العملية، أم مجرد وسيط مرتفع التكلفة؟ الفنان المصري محمود حمدي، مؤسس ومدير كايرو غاليري، يرى أن وجود الغاليري مهم بالطبع، إذ يقع عليه عبء التسويق والمتابعة وتقديم الفنان إلى الوسط الفني. المشكلة هنا لا تكمن في النسبة التي يضعها الغاليري كما يقول، بقدر ما تكمن في غياب المعايير. ويؤكد أن التسعير يجب أن يتم عبر حوار مشترك بين الفنان وإدارة الغاليري، استناداً إلى عناصر محددة، من طبيعة التجربة الفنية، والسيرة الذاتية، إلى المشاركات المحلية والدولية، ومدى تطور المشروع الفني. ويحذر حمدي من المبالغة في تقدير الأسعار، خصوصاً لدى الفنانين الشباب، فالسوق، بطبيعته، لا يحتمل القفزات المفاجئة، بل يعتمد على التراكم والتدرج. ويضيف أن بعض الفنانين يقعون في خطأ شائع، حين يرفعون أسعارهم بناءً على نجاح مؤقت، سواء في معرض سابق أو نتيجة بيع استثنائي، ما يؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب. لا يقتصر هذا الخلل على الفنانين الشباب، حتى بعض الفنانين ذوي الخبرة قد يقعون في فخ الأرقام، خاصة حين تحقق أعمالهم نتائج مرتفعة في مزادات خارجية. يتحول هذا الرقم الاستثنائي إلى معيار دائم، رغم أنه قد يكون نتاج ظرف خاص أو اهتمام مؤقت أو نتيجة المزايدة على العمل.  في المقابل، تقدم بعض الأسواق الغربية نماذج أكثر تنظيماً، يشير الفنان حمدي رضا، إلى كتيب استرشادي تصدره سنوياً رابطة اتحاد الفنانين الفيدرالي (BBK) في ألمانيا، يتضمن قواعد لتقدير أسعار الأعمال والأنشطة الفنية. لا يقدم الكتيب أسعاراً جاهزة، بل يضع إطاراً عاماً يساعد الفنانين ومديري الغاليريهات على اتخاذ قرارات أكثر اتساقاً. إلى جانب ذلك، توجد منصات رقمية متخصصة تَتتبَّع مسارات الفنانين، وتحلّل بيانات البيع، وتقدّم تقديرات تقريبية للأسعار. ورغم أن هذه المنصات تضم أسماء عربية، يظل حضورها محدوداً، وغالباً ما يقتصر على الفنانين المرتبطين بسوق الفن العالمي. في العالم العربي، تظل هذه الأدوات شبه غائبة. لا توجد قواعد إرشادية معلنة، ولا قواعد بيانات موثوقة، ما يترك المجال مفتوحاً للاجتهادات الفردية، بكل ما تحمله من تفاوتات وتناقضات. في هذا السياق، يمكن فهم تجربة سمير عبد الغني بوصفها محاولة لكسر القواعد، أو ربما تعويضاً عن غيابها، لكنها ليست التجربة الوحيدة. عدد متزايد من الفنانين يلجأ اليوم إلى وسائل التواصل الاجتماعي لعرض أعماله وبيعها، مستفيداً من الوصول المباشر إلى الجمهور. في هذا السياق، يعتمد الفنان الإسباني خافيير بوغمارتي، المقيم في مصر منذ سنوات طويلة، على صفحته على فيسبوك لبيع أعماله لمتابعين في إسبانيا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows