وراء ستار الدبلوماسية
Arab
1 hour ago
share
بينما كان الإعلام الأميركي يعزف لحن التفاؤل بقرب التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، استيقظت مياه المنطقة فجأة على وقع اشتباكات. تناثرت شرارة التوتر إثر هجوم على ناقلة نفط وسفينة إيرانيتين، مع محاولة بوارج أميركية عبور مضيق هرمز. تبددت غيوم الدبلوماسية سريعاً، وعادت أشباح العسكرة ونُذُر الحرب لتخيّم على المشهد، لتثبت أن ما يُروى في العلن ليس بالضرورة ما يُطبخ في الغرف المغلقة. في لغة العقل والمنطق، يجب أن يفضي طريق الحرب المسدود إلى تسوية. لكن مسرح السياسة والحرب لا يتبع دائماً نصوص المنطق. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، المدفوع بهاجس ألا يظهر بصورة الخاسر بعد فشل الحرب في تحقيق أهدافها، يبدي عناداً في المفاوضات عبر طرح مطالب قصوى. وفي المقابل، فإن صمود طهران وإفشالها مخططات الحرب لا يضمنان لها بالضرورة قطف ثمار سياسية واقتصادية حاسمة على طاولة التفاوض. هنا تتجلى معضلة الحروب غير المتكافئة. ففي هذا النوع من الصراعات، يمتلك الطرف المقاوم القدرة على حرمان الجيوش الكلاسيكية من الانتصار وإفشال مخططاتها، لكنه يواجه معضلة حين يحاول تحويل صموده الميداني إلى مكاسب سياسية مستدامة في المفاوضات التي تحتاج إلى أدواتها وأوراقها الخاصة. تنظر إيران إلى مضيق هرمز كأهم ورقة ضغط لديها على طاولة التفاوض، بينما تسعى أميركا جاهدة لإبطال مفعول هذه الورقة، عبر محاولاتها المستميتة لتطبيع أوضاع المضيق والحصار الاقتصادي الخانق. ولنا في المشهد الغزيّ تجربة؛ فرغم الصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية لقرابة عامين ومنعها إسرائيل من تحقيق أهدافها الكبرى، فإنّها لم تتمكن من تحويل ذلك إلى انتصار في المفاوضات برفع الحصار، وإعادة الإعمار، وطرد قوات الاحتلال. واضطرت، تحت وطأة حرب الإبادة والتجويع والأزمة الإنسانية غير المسبوقة، إلى مبادلة أهم ورقة ضغط كانت تمتلكها (أي الأسرى الإسرائيليين) من دون أن تتوقف الحرب كلياً، خلافاً لتعهدات الطرف الآخر، لتبقى غزة الصامدة أسيرة الخراب والدمار. اليوم، وبعد ضرب كبريات المصانع الإيرانية خلال الحرب وفرض الحصار البحري، تراهن الإدارة الأميركية على كسر صمود المجتمع الإيراني، بينما تنتظر طهران أن تدفع تبعات إغلاق هرمز واشنطن نحو التراجع. إلا أن ترامب، ببراعته في ترويض الأسواق نفسياً وإعلامياً، نجح حتى الآن في كبح جماح أسعار النفط، لاعباً على وترين: خنق إيران اقتصادياً، واحتواء ارتدادات أزمة هرمز عالمياً عبر تسريبات مقصودة عن قرب التوصل إلى اتفاق، خلافاً للواقع التفاوضي. في نهاية المطاف، تبدو فصول هذه القصة مفتوحة على مسارات محددة. قد يشهد المسرح "اتفاقاً أولياً" لالتقاط الأنفاس، ربما لحاجة أميركا إلى الهدوء تزامناً مع كأس العالم، وحاجة إيران للتنفس اقتصادياً. أما "الاتفاق الشامل" فيبدو سراباً بعيد المنال. إلى ذلك، سيبقى مضيق هرمز ساخناً والحصار على إيران مشدداً، والتوتر مستمراً، وقد تتخلل المشهد عودة إلى ضربات خاطفة أو مكثفة لأيام تشكل ذراعاً مكمّلة للحصار الاقتصادي. إنها معركة مستمرة، لن تنهيها المسكنات، لا هدن هشة ولا اتفاقات مؤقتة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows