Arab
في دراسة حديثة نشرتها دورية أنجيفاندته كيمي (Angewandte Chemie) الألمانية، أعلن فريق بحثي من معهد طوكيو للعلوم عن تطوير مادة سيراميكية جديدة قد تساهم في تجاوز العقبات التقنية التي واجهت خلايا الوقود البروتونية لسنوات.
قاد البحث البروفيسور ماساتومو ياشيما بالتعاون مع فريق من الباحثين اليابانيين، وركزت الدراسة على تحسين "التوصيل البروتوني" في درجات الحرارة المتوسطة. وتعتمد المقاربة العلمية الجديدة على استخدام مادة سيراميكية من نوع "البيروفسكايت" (Perovskite)، وتحديداً مركب أكسيد الباريوم والسكانديوم. وطبق الباحثون استراتيجية تقنية تسمى بـ "التطعيم المشترك بالمانحين" (Donor co-doping)، وذلك من خلال إدخال عنصرين معدنيين هما الموليبدينوم (Mo) والتنغستن (W) في البنية البلورية للمادة، وأدى ذلك إلى رفع كفاءة مرور أيونات الهيدروجين (بروتونات) بشكل ملحوظ.
الآلية التقنية لعمل خلية الوقود
تعمل خلايا الوقود السيراميكية على مبدأ تحويل الطاقة الكيميائية الكامنة في الهيدروجين مباشرة إلى كهرباء عبر تفاعل مع الأوكسجين. وتتكون الخلية من ثلاثة أجزاء أساسية: المصعد أو القطب السالب (Anode)، والمهبط أو القطب الموجب (Cathode)، وبينهما مادة سيراميكية صلبة تعمل كـ "إلكتروليت" أو وسيط ناقل. فعند دخول غاز الهيدروجين إلى جهة المصعد، يخضع لعملية انفصال كيميائي ينتج عنها إلكترونات وبروتونات. وبينما تسير الإلكترونات في دائرة خارجية لتوليد التيار الكهربائي، يتوجب على البروتونات (أيونات الهيدروجين الموجبة) العبور من خلال المادة السيراميكية لتصل إلى جهة المهبط، حيث تتحد مع الأكسجين لإنتاج الماء والحرارة. ويتوقف أداء الخلية بالكامل على سرعة وسلاسة عبور هذه البروتونات عبر السيراميك، وهو الجزء الذي ركزت عليه أبحاث معهد طوكيو.
"فجوة نورباي" وتحرير البروتونات
واجهت خلايا الوقود السيراميكية البروتونية تاريخياً مشكلة تقنية تُعرف باسم "فجوة نورباي" (Norby Gap). والتي تؤدي إلى انخفاض حاد في قدرة المادة على توصيل البروتونات عند العمل في نطاق درجات حرارة متوسطة. ففي هذه الحالة، تصبح البروتونات أقل قدرة على الحركة نتيجة "احتجازها" بالقرب من مواقع ذرية معينة داخل الشبكة البلورية للسيراميك، مما يستلزم رفع درجة الحرارة إلى مستويات عالية (أكثر من 700 درجة مئوية) لضمان استمرار التدفق.
تعدّ البنية البلورية للسيراميك عاملاً حاسماً في رفع كفاءة خلايا الوقود وتقليل كلفتها
واستطاع باحثو معهد طوكيو معالجة هذه الظاهرة عبر هندسة البنية الذرية للسيراميك المطور في مختبرهم. حيث أظهرت النتائج أن تطعيم المادة بالموليبدينوم والتنغستن أدى إلى تقليل طاقة التنشيط، مما سمح للبروتونات بالانتقال بين الفجوات الذرية دون الحاجة لحرارة عالية. وكذلك منع "احتجاز البروتونات" (Proton Trapping)، حيث ساهمت العناصر المضافة في إضعاف القوى الجاذبة التي كانت تبطئ حركة أيونات الهيدروجين. وهذه التغييرات مكنت المادة من تحقيق توصيل فائق للبروتونات عند درجات حرارة منخفضة نسبياً، بلغت ذروتها عند 193 درجة مئوية و330 درجة مئوية، وهو ما يعد انخفاضاً جوهرياً عن المعايير التشغيل التقليدية.
الآثار التشغيلية والبيئية
من الناحية العملية، يحمل هذا التطور أهمية لعدة جوانب تتعلق باستدامة تكنولوجيا الهيدروجين. فعمل الخلية في درجة حرارة منخفضة يقلل من الإجهاد الذي تتعرض له المواد السيراميكية، والذي يساهم في إطالة العمر الإفتراضي لمكونات الخلية ويقلل من حاجتها للصيانة الدورية. كما أن خفض درجة حرارة التشغيل يوفر الطاقة التي كانت تُستهلك سابقاً لتسخين النظام، مما يرفع الكفاءة الكلية لعملية تحويل الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الاختبارات أن المادة الجديدة تحتفظ بخصائصها في بيئات تحتوي على ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، وهو عامل أساسي لضمان عمل الخلايا في الظروف الواقعية خارج المختبرات.
التأثير على بحوث المستقبل
يمثل هذا البحث الذي قدمه فريق معهد طوكيو للعلوم خطوة نحو تقديم "قواعد تصميم" جديدة للمواد الموصلة للبروتونات. فبدلاً من الاعتماد على رفع الحرارة لزيادة الأداء، ركز البحث على إدارة الحركة الذرية داخل المادة لتحقيق النتائج المطلوبة. وفي سياق الجهود العالمية لخفض الانبعاثات الكربونية، قد تساهم هذه التحسينات التقنية في جعل خلايا وقود الهيدروجين خياراً أكثر فاعلية واستدامة، والذي قد ينعكس مستقبلاً على كفاءة التطبيقات الصناعية ونظم إنتاج الطاقة النظيفة على نطاق واسع.

Related News
40 عاماً على كارثة تشيرنوبل
alaraby ALjadeed
16 minutes ago