Arab
بعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حيّ التضامن في دمشق، يعود إلى الواجهة اسمان كان لهما الفضل الأول في تفكيك خيوط الجريمة: الباحثان أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور اللذان قادا، قبل سنوات، واحداً من أكثر التحقيقات دقّة وخطورة، محوّلين مقاطع مصوّرة مدفونة واعترافات منتزعة من داخل الدوائر الأمنية إلى ملف موثّق أعاد رسم المجزرة، وسمّى منفّذيها، وفتح الطريق أمام ملاحقتهم.
صباح أمس الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية السورية "عملية أمنية محكمة نفذتها، أُلقي القبض خلالها على المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن في مدينة دمشق، التي راح ضحيتها عشرات الشهداء الأبرياء".
جاء هذا الإعلان بعد سنوات على كشف تفاصيل هذه الجريمة في تحقيق استقصائي معقّد أعاد بناء وقائعها وحدّد المسؤولين عنها. قبل أربع سنوات، وتحديداً في إبريل/نيسان 2022، نشرت صحيفة ذا غارديان البريطانية ومجلة نيو لاينز الأميركية التحقيق الذي استند إلى عمل الباحثين، وكشف عن فيديو يوثّق إعدام 41 مدنياً في حي التضامن في دمشق عام 2013.
الفيديو، الذي عُثر عليه داخل أرشيف أحد عناصر المليشيات، لم يكن مجرد دليل بصري، بل وثّق آلية المجزرة كاملة: اقتياد معتقلين معصوبي الأعين، ودفعهم نحو حفرة أُعدّت مسبقاً، ثم إطلاق النار عليهم واحداً تلو الآخر، فحرق الجثث لإخفاء الأدلة. كان المنفّذ الرئيسي واضحاً في الصورة: رجل بقبعة صيد، يتحرك بهدوء ويعطي الأوامر. كان هذا أمجد يوسف.
لكن هذا الكشف لم يكن بداية القصة، بل نتيجتها. فخلف هذا الفيديو مسار طويل بدأ قبل ذلك بسنوات، منذ مغادرة شحّود مدينة حمص عام 2013، ثم انتقالها إلى بيروت، فإلى أمستردام، حيث التقت أونغور في جامعة أمستردام وبدأت معه دراسة عن عنف الدولة في سورية. ذلك اللقاء لم ينتج بحثاً أكاديمياً تقليدياً، بل مشروعاً استقصائياً اخترق ما وصفه الباحثان بـ"الصندوق المغلق" للأجهزة الأمنية السورية. لم يكن الوصول إلى الجناة ممكناً عبر الأدوات المعتادة، فاختارت شحّود طريقاً مختلفاً: أن تصبح واحدة منهم، ولو افتراضياً.
وبينما تصدّر اسما شحّود وأونغور واجهة التحقيق، كان العمل في جوهره جماعياً، شارك فيه أيضاً دُمر سليمان، وحازم العبد الله، ومهند أبو الحسن.
أنشأت أنصار شحود هوية رقمية باسم "آنّا" فتاة علوية موالية للنظام، وبدأت منذ عام 2017 تقريباً بالتسلل إلى شبكات الضباط والعناصر عبر "فيسبوك". خلال نحو عامين، بنت شبكة علاقات مع مئات الأشخاص المرتبطين بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، مستفيدة من انفتاحهم النسبي على منصات التواصل الاجتماعي. كانت تستمع، وتواسي، وتبني الثقة، لفهم المنطق الداخلي للعنف.
الاختراق الحاسم تم عام 2021. بعد سنوات من البحث، عثرت "آنّا" على حساب يحمل اسم "Amgd Youssuf"، بملامح تطابق الرجل الذي ظهر في الفيديو مرتدياً قبعة صيد. الندبة على وجهه، والصور المنشورة، وشبكة أصدقائه، كلها قادت إلى تأكيد هويته بوصفه أحد عناصر الفرع 227 في الاستخبارات العسكرية. من هنا بدأت المرحلة الأخطر: التواصل المباشر. أرسلت إليه طلب صداقة، فقبله، ثم بدأت سلسلة من المحادثات والمكالمات المصوّرة استغرقت أشهراً. في البداية كان حذراً ومقتضباً، يتحدث بشك، لكن تدريجياً، ومع بناء الثقة، بدأ يتكلم.
في حديث خاص لـ"العربي الجديد" في مايو/أيار 2022، قالت شحّود إن هذه المقاربة كانت ضرورية: "لم أكن أنظر إليه إلا بصفته إنساناً… لولا هذه الأنسنة لما تمكنت من التعرّف إليه والحديث معه". لكنها ميّزت بوضوح بين الفهم والتبرير: أمجد يوسف "ليس ضحية، بل صنيعة مؤسسة عسكرية تنتج العنف".
في إحدى اللحظات المفصلية، قال لها: "لقد قتلت كثيراً… ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم". وفي مرحلة لاحقة، وبعد مواجهته بأدلة، ذهب أبعد من ذلك: "أنا فخور باللي عملته". لم تكن هذه مجرد أقوال، بل اعترافات موثّقة بالصوت والصورة، ضمن مسار تراكمي من العمل استمر أربع سنوات تقريباً.
بالتوازي، كان الباحثان يحللان أرشيفاً أوسع بكثير من الفيديو المنشور. فقد عثرا على 27 مقطعاً مصوراً توثّق عمليات إعدام جماعي بلغ عدد ضحاياها نحو 288 شخصاً، ضمن نمط قتل منهجي. أظهرت هذه المواد اعتقالات من المنازل أو الحواجز، ونقل الضحايا إلى مواقع محددة، ثم إعدامهم في حفر أُعدّت مسبقاً، وإحراق الجثث لإخفاء الأدلة.
هكذا، وضعت مجزرة التضامن ضمن سياق سياسة أوسع من العنف المنهجي. وشرح أونغور، في حديثه لـ"العربي الجديد" حينها، أن الفرق أساسي بين "المجزرة" بصفته فعلاً لحظياً، و"الإبادة" سياسةً زمنية، معتبراً أن ما جرى يقع ضمن سياق "التطهير" وتفكيك المجتمع.
في فبراير/شباط 2022، سلّم الباحثان المواد التي جمعاها، بما في ذلك الفيديوهات والاعترافات، إلى جهات قضائية في ألمانيا وهولندا وفرنسا، لتكون جزءاً من مسارات ملاحقة جرائم الحرب. وبعد شهرين فقط، نُشر التحقيق في "ذا غارديان" و"نيو لاينز"، ليفتح واحدة من أوسع النقاشات حول الجرائم المرتكبة في سورية.
اليوم، مع اعتقال أمجد يوسف، يبدو هذا المسار وكأنه يكتمل جزئياً: من جريمة صُوّرت في إبريل 2013، إلى تحقيق نُشر في إبريل 2022، إلى توقيف في إبريل 2026... خط زمني يكشف كيف يمكن لعمل بحثي طويل تحويل أدلة مبعثرة إلى ملف متكامل يلاحق الجناة، ويكسر، ولو متأخراً، حلقة الإفلات من العقاب.

Related News
بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً
aawsat
17 minutes ago
«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف
aawsat
18 minutes ago
ما هو أفضل وقت لتناول الحمضيات؟
aawsat
21 minutes ago