أهالي صور جنوبي لبنان: "الأرض لنا" رغم وحشية العدوان الإسرائيلي
Arab
1 hour ago
share
لم تفلح الحروب الإسرائيلية المتكررة في دفع أهالي مدينة صور جنوبي لبنان على اليأس أو مغادرة مدينتهم الملقّبة بـ"سيدة البحار". اختار معظمهم البقاء رغم المخاطر المحدقة، غير أنّ الاستهداف الذي سبق سريان الهدنة بدقائق، كان الأعنف والأصعب. في الباحة الخارجية لمطعمه المتضرّر بفعل الاعتداءات الإسرائيلية في مدينة صور جنوبي لبنان، يحتسي حسين الأشقر قهوته الصباحية على صوت فيروز، ويدندن أغنيتها "كيفك إنتَ"، بينما يصف حالته عند سؤاله "وإنتَ كيف؟"، بالقول: "صامدون، مبتسمون، مُفعمون بالأمل والإيمان". رغم الخسائر التي مُني بها حسين، بعد أن عاش أكثر من ستّة حروب إسرائيلية، غير أنّه رفض الاستسلام لليأس أو مغادرة بلدته الحبيبة، الملقّبة بـ"سيدة البحار"، وما يزال قراره الوحيد التشبّث بأرضه، رغم المخاطر والتحديات. بحبٍّ وفخرٍ وحنينٍ لذكريات سنواتٍ طويلة ومميّزة، يتحدث حسين لـ"العربي الجديد" عن مطعمه الذي افتتحه عام 1993، وكأنه طفله الذي وُلد اليوم، رغم كلّ الأضرار التي طاولته نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة صور قبل لحظات من سريان الهدنة منتصف ليل الخميس - الجمعة في 16 – 17 إبريل/نيسان الجاري، والتي عطّلت نشاطه وعمله.  كان حسين شاهداً على حروب العدو الإسرائيلي، منها عام 2024، وعلى زيارات شخصيات سياسية وأممية وفنية وإعلامية لمطعمه، والتي وثقها بصورٍ عُلّقت على جدرانه، إلى جانب عملات أجنبية جمعها طيلة سنواتٍ، وألصقها على الحائط، وما تزال صامدة، كصمود المدينة وأهلها. يسير حسين على ألواح الخشب والحديد والزجاج المتناثر، في مشهدٍ مُكرَّر عنده، بعدما عاش الحدث نفسه عام 2024، علماً أنه سارع إلى إصلاح المكان، ظناً منه أن الحرب لن تتجدّد، ولأنه يصعب عليه الابتعاد عن بيته الثاني الذي يعتاش منه موظفون، ويعوّلون عليه مادياً. ويؤكد اليوم أنه سيعيد الكرّة، ويبدأ بورشة إعادة التأهيل بعد أسبوع على الأكثر، ولو أن الهدنة ما تزال هشّة. لا يُنكر حسين أن الحرب الأخيرة، ربما تكون الأصعب، خصوصاً في ربع الساعة الأخير قبيل بدء الهدنة، فحجم التدمير كان كبيراً، وارتكبت إسرائيل مجزرة كانت متوقعة في اللحظات الأخيرة، "فهذا ما عوّدتنا عليه في حروبها السابقة"، بحيث اهتز محيط المطعم بحزام ناري يبعد مترين فقط عنه، أسقط ستّة مبانٍ، وألحق أضراراً وتصدّعات في مبانٍ أخرى، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 25 شخصاً وجرح ما يزيد عن سبعين، وما تزال عمليات البحث عن مفقودين وانتشال الضحايا مستمرة. ويشدد على أنّه في فترة الحرب، بقي وابنه فقط في مدينة صور، ونزح باقي أفراد العائلة، مؤكداً أنه باقٍ في أرضه ولن يتركها مهما حصل. يجلس ماهر مصطفى طاهر مع رفاقه في السوق، حيث الحركة خجولة جداً، محاولين سرقة لحظة أمان في ظلّ خشية مستمرة من تجدد العدوان، خصوصاً مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الجنوب. ويعتبر في حديثه لـ"العربي الجديد" أن هذه الحرب كانت الأكثر قساوة وصعوبة، رغم أنه عاش العديد من الحروب الإسرائيلية، مشيراً إلى أننا ما نزال نعوّل على دولتنا من أجل إيجاد الحلول. ويشير طاهر إلى أن الحرب هذه كانت قاسية على مستويات عدة، خصوصاً حجم التدمير، وعدد الشهداء، ونوعية الصواريخ المستخدمة، وضربات "لم نشهدها في حياتنا"، على حدّ قوله. هذا إلى جانب كمّ التهديد والتهويل واللعب الإسرائيلي على عامل الضغط النفسي، بشكل كبير، الأمر الذي أتعب السكان، بحسب طاهر، آملاً في أن تنتهي الحرب بشكل كلّي، فـ"هروب الناس ونزوحهم ليس أمراً سهلاً". يوسف سمرة الذي أراد أن يشارك صديقه طاهر حبّه لمدينة صور، أكد بدوره  لـ"العربي الجديد" أن هذه الحرب كانت أقوى من كل الحروب التي عاشها، خصوصاً على صعيد اختلاف نوعية الأسلحة والصواريخ التي استخدمتها إسرائيل، متوقفاً عند اللحظات الصعبة التي عاشها أهالي صور قبيل ثلاث دقائق من سريان الهدنة، وذلك عندما شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي ضربات هي الأعنف. ورغم ذلك، وبغض النظر عن أن المخاطر ما تزال قائمة، يرفض المغادرة. وعلى حدّ تعبيره "من صور ما بضهر (لا أخرج)، في صور كل شيء أريده، كل شيء يعنيني، حتى رائحة الميناء، هذه أرضي، بلدي، كيف أخرج منها، وهل ترضين أن يُخرجك أحد من بيتك؟ طبعاً لا". يستذكر أحمد محمد طفلي الحروب التي عاشها، والتي على حدّ قوله "لم ننسها حتى نتحدث عن الحروب الجديدة، فنحن وُلدنا والقذائف فوق بيوتنا، ومنذ أن أتينا إلى هذه الدنيا، هناك وحش لم نتخلّص منه، ولم نرتح بسببه يوماً". ويضيف لـ"العربي الجديد": "أمضينا طفولتنا ونحن نستيقظ عند منتصف الليل ونهرب إلى الملاجئ، وهو لم يتركنا يوماً منذ أكثر من أربعين عاماً، الدوامة نفسها، عشتها في طفولتي، وأطفالي اليوم يعيشون الوجع نفسه، ورغم كل ذلك، فإنّ بلادنا تساوي الدنيا كلها، وهذه أرضنا التي لن نتخلّى عنها". أما أبو حسين الذي دعانا إلى دردشة معه أمام ملحمته، فيستذكر الإجرام الإسرائيلي بحق لبنان، خصوصاً بحق الجنوبيين، ويعتبر أن أسوأ ما حصل للبنان هو وجود عدوّ على حدوده، وسيبقى كذلك، ما دام هو باقياً على الحدود، ومطامعه لا تنتهي. وفي متابعة لما تعرّضت له مدينة صور منذ توسّع العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي، يقول نائب رئيس البلدية علوان شرف الدين لـ"العربي الجديد"، إنّ الحرب كانت قاسية جداً، خصوصاً أنّ استهدافاتٍ عدّة حصلت من دون إنذارات مسبقة، كان أعنفها في آخر ثلاث دقائق قبيل سريان الهدنة. فقد دُمّر حيّ بأكمله، واستُهدف أشخاص آمنون في منازلهم، وما تزال عمليات الإنقاذ مستمرة حتى الآن، حيث جرى انتشال 28 شهيداً، وهناك مفقود. ويلفت شرف الدين إلى أن عدد المباني المستهدفة أقلّ من الحرب الماضية، بحيث جرى تدمير نحو 13 مبنى، لكن الخسائر البشرية كانت أكبر، مشيراً إلى أننا لولا حصول الهدنة لكنّا ذاهبون إلى كارثة إنسانية، بعدما استهدفت إسرائيل جسر القاسمية، الشريان الوحيد الذي يربط قضاءَي صور وصيدا، والمخزون كان بدأ ينفد، ولا طريق ثانياً لمسار الإمدادات. من جانبه، يقول مدير وحدة إدارة الكوارث في صور مرتضى مهنا لـ"العربي الجديد": "عملنا خلال الحرب قدر الإمكان على تأمين مقوّمات الصمود والمستلزمات الأساسية من مواد غذائية ودواء وغيرها، لكننا عانينا قلة الدعم والتمويل من المنظمات الإنسانية، بينما كان مجلس الجنوب على رأس المؤسسات الداعمة. واليوم نعاني نقصاً على مستوى حصص النظافة سواء داخل أو خارج مراكز الإيواء"، مشيراً إلى أنه "في حال تجدّدت الحرب، ورغم التحديات الكبرى وقلة الدعم، إلا أننا سنبذل كل الجهود لاستقبال أهلنا النازحين، والوقوف إلى جانبهم، فنحن لا نترك أهلنا وناسنا".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows