Arab
مرت تسريبات لجزء من تصريحات قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي رافي ميلو دون ضجة كبرى، حين تحدّث، قبل أيام، عن مئات الجنود داخل الأراضي اللبنانية، ما قد يشير إلى فجوة كبيرة بين ما تحاول البيانات والتصريحات الرسمية ترويجه، وما يحدث على أرض الواقع. يأتي ذلك في الوقت الذي يكثّف فيه جيش الاحتلال بياناته حول لبنان، وعمليات ألوية فرقه الخمس التي يروّج وجودها داخل الأراضي اللبنانية، وكأن جنوداً بالآلاف هناك، ربما في محاولة لتضخيم المشهد وتعظيم "الإنجازات"، أو ممارسة حرب نفسية أو رسائل موجهة إلى سكان المستوطنات الحدودية الذين يضغطون باتجاه مواصلة العدوان.
ويتزامن كل ذلك مع المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي رغم استمرار إسرائيل باعتداءاتها اليومية على الأراضي اللبنانية، واستهداف مواطنين لبنانيين بزعم استهداف عناصر حزب الله ومنشآت تابعة له. استوقفت أقوال ميلو المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" العبرية عاموس هرئيل طارحاً في تقرير له اليوم الجمعة معطيات تشكك بحقيقة ما يروّجه الجيش. وبرأيه، فإنّه في الجولة الحالية من الحرب، يبدو خلالها أحياناً وكأن قائد المنطقة الشمالية رافي ميلو قد أُسند إليه "دور الضابط الذي لا يستطيع الامتناع عن قول الحقيقة، وكما حدث مع قادة مناطق أخرى قبله، يكتشف ميلو أن كل لقاء تقريباً يجريه مع مواطنين يجرى تسجيله وتسريبه إلى وسائل الإعلام".
وأضاف هرئيل: "وعندها يسارع أفراد وحدة المتحدّث باسم الجيش إلى محاولة التخفيف قليلاً من الفجوات بين الخط الرسمي المُعلن للحكومة ورئاسة الأركان، وبين الواقع كما يراه الضابط الأرفع رتبة على الجبهة اللبنانية". ولفت إلى أن ميلو قال، يوم الثلاثاء الماضي، خلال مراسم ذكرى قتلى حروب إسرائيل في مستوطنة "كفار فراديم" بالجليل: "في هذه اللحظات، هناك مئات الجنود داخل لبنان يعملون ويهاجمون من أجل إزالة أي تهديد عن الشمال. لدينا القوة، ولدينا الروح، ونحن نفهم جيداً المهمة، وعدالة الطريق ترافقنا"، وفق زعمه. واعتبر تقرير الصحيفة أن النقطة المثيرة للاهتمام هنا تتعلق بمسألة "مئات الجنود".
فحتى الأسبوع الماضي، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي ما زال يتحدث عن خمس فرق تناور على الأرض في جنوب لبنان، وكان في ذلك قدر كبير من المبالغة، ذلك أن الجيش قلل هذه المرة من إمكانية إدخال وحدات احتياط إلى لبنان، وتحت كل فرقة عملت تركيبة جزئية من ألوية قتالية، معظمها نظامية. وبعد وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غادر جزء غير قليل من قوات الاحتلال إلى خارج لبنان. بالمقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي التمسّك بخط مواقع على التلال البعيدة ثمانية إلى عشرة كيلومترات شمال الحدود الدولية مع لبنان، بهدف معلن هو منع استهداف المستوطنات القريبة من الحدود بصواريخ مضادة للدروع. ولا تزال عمليات التمشيط تُجرى في المناطق التي احتلها الجيش، لكن حجم القوات وعبء المهام تقلّصا بشكل كبير.
وأوضح التقرير أنه من هنا جاء ذكر "مئات الجنود"، لا آلاف أو عشرات الآلاف، كما قد يظن بعض الإسرائيليين في انطباع خاطئ يتشكّل لديهم. وهذا، بشكل غير مباشر، هو أيضاً الخلفية لأعمال النهب واسعة النطاق التي يقوم بها الجنود الاسرائيليون في جنوب لبنان، فعندما لا تكون هناك الكثير من العمليات، ويخفت الشعور بالخطر، يجد الجنود وقتاً ليتورّطوا في أمور كهذه.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، فيوم الجمعة الماضي، كشف جيش الاحتلال أنه كان قد نفّذ ما أطلق عليه اسم عملية "النسر"، بالاستعانة بوحدة خاصة أُنزلت، وثبتت نشاطها، قبل دقائق من دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ، في ما أسماه سلسلة جبال "كريستوباني"، وهو ما يبدو تسمية إسرائيلية مستحدثة لمنطقة استراتيجية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، غرب جبل الشيخ المحتل.
وهنا يشير هرئيل إلى أن بعض قدامى العسكريين الإسرائيليين، الذين سبق أن شاركوا في منطقة الشريط الأمني العازل وحرب لبنان الأولى، فوجئوا بسماع تباهي الجيش بهذه العملية التي نفّذتها وحدة "شلداغ"، ذلك أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفقه، سيطر مرات عديدة على سلسلة الجبال عند سفوح جبل الشيخ الملاصقة لجبل روس (مزارع شبعا). ومن المشكوك فيه أن يكون هناك شيء مميز في تلك العملية.
وينطبق الأمر أيضاً، وفق التقرير نفسه، على ما حدث منذ أن دفع جيش الاحتلال قواته إلى داخل لبنان بداية شهر مارس/ آذار. وكانت المشكلة الأساسية آنذاك أيضاً تتعلق بحجم القوات. فالقوات التي دخلت فعلاً إلى القتال نشطت في عمليات دهم على مستوى كتائب في قرى في جنوب لبنان، ولم تُحكم سيطرة متواصلة على خط مواقع ثابت، بل كانت تدخل وتخرج من المناطق وفق الحاجة. ووراء ذلك، وقفت قناعة لم يُطلع الجمهور الإسرائيلي عليها بأن الوحدات النظامية والاحتياطية منهكة، ولا يمكن تكليفها بمهام "طموحة" أكثر من اللازم.
وجاء في التفاصيل أيضاً أنّ ما نُفّذ لا يطابق الخطة الأصلية، وأنّ احتلال خط مضادّ للدروع هو نوع من التسوية التي تراعي القيود القائمة، بينما حزب الله قادر فعلياً على إطلاق صواريخ الكاتيوشا والمُسيّرات لمسافات أبعد إذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار. أمّا العمليات داخل القرى، فتشبه أكثر "نشاطات أمنية اعتيادية، بحيث يحشد الجيش قوات كبيرة حول عناصر حزب الله المتحصنين داخل المنازل، ويستخدم مسيّرات، ومروحيات، ودبابات لقتلهم من دون تكبّد خسائر"، وفق "هآرتس". ورغم نسبة الخسائر المُعلنة التي تبلغ واحداً إلى مئة لصالح إسرائيل مقابل حزب الله في لبنان، فإن حزب الله لا يُظهر هذه المرة أي علامات على الانهيار. وخلص التقرير إلى أن هذه هي صورة الواقع التي دخلت بها إسرائيل ولبنان إلى الجولة الثانية من المحادثات المباشرة أمس في واشنطن.

Related News
بسبب غاسبيريني... رانييري يستعد للرحيل عن روما
aawsat
16 minutes ago
الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء
aawsat
21 minutes ago