Arab
في ظل تصاعد التوتر عبر الأطلسي، تعيد أوروبا فتح ملفاتها الدفاعية وسط شكوك غير مسبوقة في صلابة التحالف مع واشنطن. فقد شكّلت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي وصف فيها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بـ"نمر من ورق"، نقطة تحوّل دفعت القادة الأوروبيين لإعادة تقييم الاعتماد على مظلة واشنطن، في ظل تقلب السياسة الأميركية، وتراجع الالتزام التقليدي بالدفاع الجماعي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع كشف وكالة رويترز عن رسالة داخلية متداولة في البنتاغون تبحث خيارات لمعاقبة دول "مزعجة" داخل الحلف، بسبب ضعف دعمها للعمليات الأميركية في إيران، وعلى خلفية الصراع على غرينلاند. وتشمل السيناريوهات تعليق عضوية إسبانيا، وإعادة النظر في دعم مطالبة المملكة المتحدة بجزر فوكلاند. كما كشف موقع "بوليتيكو" عن قائمة أعدّها البيت الأبيض، تصنّف دول الناتو بين "جيدة" و"غير منضبطة"، بينما تدرس المذكرة استبعاد بعض الدول من مناصب حساسة داخل الحلف رداً على رفضها استخدام قواعدها في الحرب ضد إيران. ورغم هذا التصعيد، لا مؤشرات إلى انسحاب أميركي وشيك من حلف شمال الأطلسي أو إغلاق قواعده في أوروبا، لكن احتمال تقليص الوجود العسكري الأميركي يبقى مفتوحاً في ظل تفاقم الخلافات داخل التحالف.
العودة إلى معاهدة لشبونة
في قلب هذا التحول، برزت المادة 42.7 من معاهدة لشبونة خياراً بديلاً أو مكمّلاً للمادة الخامسة في ميثاق الناتو. وتنص هذه المادة على التزام دول الاتحاد الأوروبي بتقديم "المساعدة والدعم بكل الوسائل المتاحة" لأي دولة عضو تتعرض لهجوم مسلح. ورغم أن هذا البند لم يُفعّل سوى مرة واحدة بعد هجمات باريس عام 2015، فإنه يكتسب اليوم أهمية متزايدة باعتباره أداة محتملة لتعزيز التضامن الدفاعي الأوروبي. غير أن هذه العودة تطرح إشكالية أساسية: فالمادة 42.7 تظل إطاراً سياسياً أكثر منها آلية عسكرية ملزمة. فهي لا تحدد طبيعة الرد، ولا تفرض تدخلاً تلقائياً، ما يجعل فعاليتها مرهونة بالإرادة السياسية للدول الأعضاء. وهذا الغموض يثير تساؤلات حول قدرتها على التعامل مع سيناريوهات معقدة، خصوصاً في "المنطقة الرمادية" التي تشمل الهجمات السيبرانية أو العمليات الهجينة.
قمة قبرص: نحو استقلال دفاعي
خلال القمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي في قبرص، بدعوة من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، تصدّر ملف الاستقلال الدفاعي النقاش، وسط إقرار أوروبي بتراجع الثقة بالدور الأميركي، كما عبّرت الدنماركية ميتا فريدركسن. وقبيل القمة، أُقرّ قرض بـ90 مليار يورو لأوكرانيا بعد تجاوز فيتو المجري فيكتور أوربان، بالتوازي مع استئناف تدفق النفط عبر خط "دروغبا". لكن السؤال المحوري يبقى: كيف يملأ الاتحاد فراغاً أمنياً محتملاً إذا تراجعت واشنطن؟
في هذا السياق، تتصاعد خطط بناء دفاع أوروبي، مدفوعة بتحول ألمانيا من تحفظ في عهد أولاف شولتز إلى دعم صريح للاستقلال الدفاعي بقيادة المستشار المحافظ فريدريش ميرز. ووفق "وول ستريت جورنال" الأميركية، يكتسب خيار الاعتماد على هياكل حلف شمال الأطلسي دون الولايات المتحدة زخماً، مع تركيز النقاش على بناء منظومة دفاع مؤسسية، وتحديد القدرات المطلوبة مستقبلاً.
نحو "ناتو أوروبي"
أحد أبرز الطروحات، يتمثل في بناء "ناتو أوروبي" يستند إلى الهياكل القائمة للتحالف الأطلسي، لكن بقيادة أوروبية أكبر. الفكرة لا تقوم على استبدال الناتو، بل على إعادة التوازن بداخله، بحيث تصبح أوروبا قادرة على التحرك بشكل مستقل عند الحاجة. هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن التهديدات لم تعد تقليدية فقط، بل تشمل مجالات جديدة مثل الحرب السيبرانية، والتخريب للبنية التحتية، والعمليات الهجينة. وبالتالي، فإن الردع لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يتطلب منظومة متكاملة من القدرات الأمنية والتكنولوجية.
رغم هذه الطموحات، يدرك الأوروبيون أن تحقيق إجماع بين 27 دولة أمر بالغ الصعوبة. لذلك، يبرز مفهوم "تحالف الراغبين" بوصفه حلاً عملياً، حيث تتولى مجموعة من الدول قيادة أي تحرك عسكري، مع الاستناد السياسي إلى المادة 42.7. هذا النموذج ليس جديداً، فقد تم تطبيقه جزئياً في دعم أوكرانيا، ومن المرجح أن يصبح القاعدة في المستقبل. لكنه يطرح أيضاً تحديات تتعلق بتماسك الاتحاد الأوروبي، واحتمال ظهور "أوروبا بسرعتين" في المجال الدفاعي.
إلى جانب التحديات السياسية، تواجه أوروبا عقبات صناعية واضحة. مشروع الطائرة المقاتلة الأوروبية SCAF، الذي تشارك فيه فرنسا وألمانيا وإسبانيا، يكشف عمق الخلافات حول تقاسم التكنولوجيا والسيادة الصناعية. هذه التوترات تعرقل تطوير قدرات عسكرية مشتركة، رغم الحاجة الملحة إليها. كما تعاني أوروبا من فجوات في مجالات حيوية، أبرزها الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، وهو ما ظهر بوضوح في الهجمات التي استهدفت قاعدة أكروتيري في قبرص في بداية الحرب على إيران. هذه الحوادث كشفت هشاشة البنية الدفاعية الأوروبية، وعززت الدعوات لتنسيق أعمق في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا.
بين التبعية والاستقلالية
في هذا السياق، شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين في تصريحات صحافية، على أن تفعيل بند التضامن "ليس خياراً بل التزام"، في محاولة لإضفاء ثقل سياسي على المادة 42.7. ومع ذلك، تبقى أوروبا في مرحلة انتقالية حساسة بين الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة، والسعي لبناء استقلال استراتيجي لم تتبلور ملامحه بالكامل بعد.
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش قانوني أو مؤسسي، بل إعادة تعريف شاملة لدور أوروبا في أمنها الخاص. فمع تزايد التهديدات، من روسيا إلى الشرق الأوسط، وتآكل الثقة في الضمانات الأميركية، تجد القارة نفسها أمام خيار استراتيجي حاسم: إما تطوير قدرة دفاعية مستقلة وفعالة، أو البقاء رهينة تحالف لم يعد كما كان. وبين هذين الخيارين، تتحول المادة 42.7 من بند مهمَل في معاهدة قديمة، إلى اختبار فعلي لإرادة أوروبا في أن تكون قوة أمنية قائمة بذاتها، قادرة ليس فقط على الردع، بل على رسم معادلات الأمن في محيطها الإقليمي والدولي.

Related News
مؤشرات إلى تمهيد إسرائيل لعدوان واسع ضد قطاع غزة
alaraby ALjadeed
37 minutes ago