Arab
بعد نحو عام ونصف العام على سقوط نظام بشار الأسد في سورية، يبدو أن الأحداث الأمنية والسياسية في العراق، وتطور العلاقات بين بغداد ودمشق، تدفع بغداد نحو محاولة التخلص من ملف الضباط التابعين لهذا النظام الموجودين على أراضيها والتضييق عليهم، حيث يوجد ما يقرب من 130 ضابطاً منهم شمالي بغداد. وعلى مدى الأيام الماضية جمعت "العربي الجديد"، ست إفادات متطابقة لمسؤولين عراقيين في بغداد، قالوا فيها إن توجيهات حكومية صدرت أخيراً بحظر أي نشاط سياسي أو إعلامي للعشرات من كبار ضباط نظام الأسد الموجودين في معسكر التاجي شمالي بغداد، مع تأكيدات على تلاشي الاهتمام السياسي بوجودهم، مقارنة بما كان عليه في الأشهر الأولى لسقوط النظام، في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وفي يومي السابع والثامن من ديسمبر 2024، لجأ المئات من أفراد جيش النظام السوري المخلوع إلى العراق، حيث وافقت بغداد على دخولهم من معبر البوكمال الحدودي، بعد نزع أسلحتهم. وقالت وزارة الدفاع العراقية، في بيان حينها، إنه ولدواع إنسانية استقبلت العسكريين السوريين. ولاحقاً عاد إلى سورية أكثر من 1900 عسكري من هؤلاء، برتب تتراوح بين ملازم ومقدم، بعد تسوية أوضاعهم مع السلطة الجديدة في دمشق، لكن العشرات من ضباط نظام الأسد برتب عميد ولواء وقادة وحدات وأولية وأجهزة أمنية رفضوا العودة. دفع ذلك الحكومة العراقية إلى نقلهم مؤقتاً إلى مجمع خاص داخل معسكر التاجي شمالي بغداد، مع فرض حماية وإجراءات أمنية خاصة بهم. ويُعتقد أن قسماً منهم مقربين من أسرة الأسد، مطلوبون بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال سنوات الثورة السورية، بين 2011 ولغاية 2024.
تضييق على ضباط نظام الأسد
وعلى مدى أسبوع جمعت "العربي الجديد"، إفادات متطابقة لستة من المسؤولين العراقيين، أحدهم ضابط رفيع في وزارة الدفاع العراقية، أكدوا فيها توجيها من حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، بحظر أي أنشطة سياسية أو إعلامية للضباط وعناصر النظام الموجودين في معسكر التاجي. ويشمل هذا الإجراء تحديد نطاق وصول هؤلاء الضباط إلى منصتي "فيسبوك" و"إكس"، وإبلاغهم بعدم تصوير مقاطع فيديو ذات محتوى سياسي أو للتعليق على الأحداث أو شرح وضعهم داخل المعسكر الذي يقيمون فيه، والاكتفاء بالتواصل مع أسرهم في سورية. وعلمت "العربي الجديد"، من أحد تلك المصادر، بأن أحد ضباط نظام الأسد من الفرقة الرابعة، حاول الانتحار قبل أسابيع، عبر تناول كمية كبيرة من دواء لعلاج ارتفاع الضغط، لكنه نقل إلى مركز طبي خاص وتماثل للشفاء بعد تدخل عاجل.
التفاهمات الأمنية المتعلقة بالحدود وتبادل المعلومات مع دمشق دفعت بغداد إلى عدم رغبتها الاحتفاظ بورقة ضباط نظام الأسد
وفق أحد المصادر، التطورات الأخيرة مع دمشق، خصوصاً بعد اتفاق تصدير شحنات من النفط العراقي الخام، منتصف شهر إبريل/نيسان الحالي، عبر ميناء بانياس السوري إثر إغلاق مضيق هرمز، والتفاهمات الأمنية المتعلقة بالحدود وتبادل المعلومات، هي ما دفعت بغداد إلى عدم رغبتها الاحتفاظ بورقة ضباط نظام الأسد. وشرح المصدر نفسه لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة العراقية باتت تتعامل معهم من منطلق إنساني كون بعضهم في منتصف العقد السادس من العمر، ويحتاجون رعاية صحية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أي توتر بالعلاقة مع سورية حالياً، بسبب الدعم الذي تحظى به حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأهمية التفاهمات الأخيرة الأمنية والاقتصادية التي تم التوصل لها.
ويبلغ مجموع من تبقى من ضباط نظام الأسد في العراق، نحو 130 ضابطاً كبيراً ومسؤولاً أمنياً شغلوا مناصب حساسة في نظام بشار الأسد، فيما علمت "العربي الجديد"، أن محاولات حصولهم على تأشيرة للسفر إلى روسيا أو بلد آخر، تعثرت، خصوصاً مع فشل حصولهم على جوازات سفر سورية جديدة. ويوجد حالياً، في "مدرسة التدريب العسكري"، الواقعة ضمن معسكر التاجي على بعد 25 كيلومتراً شمالي بغداد، مجمع سكني يضم عشرات الغرف المجهزة سلفاً للجنود والعسكريين العراقيين الذين كانوا يتدربون في المعسكر. وتعارض قوى سياسية ضمن "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق، خطوة تسليمهم إلى دمشق بوصفهم مطلوبين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وفقاً للمصادر ذاتها، التي استبعدت تسليمهم بالوقت الحالي، رغم عدم منحهم صفة لاجئين لغاية الآن.
واعتبر أحد المسؤولين، أن هؤلاء العسكريين "لم يعودوا يشكلون أهمية سياسية للعراق، وحكومة دمشق غير مهتمة بهم"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "وجهة نظر السلطات العراقية تتلخص بإنهاء رعاية هؤلاء الضباط" إلا أن بعض قادة الفصائل والأحزاب العراقية، وفق المسؤول نفسه، لها وجهة نظر أخرى، تتلخص بالمحافظة عليهم "من احتمالات الانتقام الذي يتعرضون له من الحكومة السورية الجديدة، خصوصاً أن بعضهم مقربون من أسرة الأسد، وآخرين مطلوبون بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال سنوات الثورة السورية من 2011 ولغاية 2024"، معتبراً أن "السلطات العراقية هي صاحبة القول النهائي بهذا الشأن".
لا أهمية أمنية للملف
وفي نهاية فبراير/ شباط 2025 الماضي، أقرّ وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي بوجود 130 عسكرياً سورياً من نظام الأسد داخل الأراضي العراقية، مؤكداً في تصريحات أن "ما تبقى في العراق من ضباط الجيش السوري السابق هم 130 شخصاً، وهؤلاء يرفضون العودة لسورية وموجودون في أحد المواقع الأمنية". وقال إن "العراق خيّر هذه العناصر بين العودة أو البقاء، وهم يرفضون العودة حالياً، ونحن نسعى لإيجاد وضع قانوني لعناصر الجيش السوري الموجودين بالعراق، كما أنه حتى الآن ليس هناك تواصل بين وزارة الدفاع العراقية ووزارة الدفاع السورية".
أحمد الشريفي: كانت السلطات العراقية تتعامل معهم بوصفهم ورقة تُستخدم في الحوار مع الجانب السوري
في هذا الصدد اعتبر الخبير الأمني العراقي، أحمد الشريفي، أن "من تبقى من الضباط وبعض المسؤولين الأمنيين السوريين الذين لجأوا إلى العراق بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، هم حوالي 100 شخص، وهم موجودون في أحد المعسكرات المحمية في بغداد وغير مسموح لهم التنقل أو التصريح". وأوضح لـ"العربي الجديد"، أنه "بالتالي فهم لا يشكلون أي أهمية أمنية"، مضيفاً أنه "في البداية كانت السلطات العراقية تتعامل معهم بوصفهم ورقة تُستخدم في الحوار مع الجانب السوري، إلا أن هذه الورقة لم تعد مهمة حالياً". وفي رأيه فإن "السلطات العراقية تتكتم على أسمائهم وترفض تسليمهم حالياً، لكن مع مرور الوقت سيتحول هذا الوجود إلى ملف غير مفيد بالنسبة للعراق، وقد يتم ترتيب أوضاعهم إما بالعودة إلى سورية، وهو غير وارد بالنسبة للضباط، أو خروجهم إلى دولة ثالثة تستقبلهم بوصفهم لاجئين".
