Arab
كان من اللافت أن تبدو أجواء الإدارة الأميركية مرتبكة وفي حالة من البلبلة، عشية الحديث عن جولة مفاوضات أميركية - إيرانية ثانية مرتقبة اليوم الاثنين في إسلام أباد، رغم عدم توجه الوفد الإيراني المفاوض حتى الساعة إلى العاصمة الباكستانية. وكأنه كان هناك جدل حول تركيبة فريق التفاوض أو خطابه التفاوضي وأولوياته. ويذكر أن الغمز تزايد في الأيام الأخيرة بخصوص التركيبة، قبل أن يرأسها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
في البداية قيل إن المبعوث ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر يتوجهان الاثنين إلى باكستان. بعد قليل، ذكرت معلومات أخرى أن فانس يصل مساء الاثنين إلى إسلام أباد، ويلتحق به كل من ويتكوف وكوشنر. وفي تفسير التباين، تردد أن فانس كان من المرجح أن يبقى في واشنطن بسبب "نقص" في جهاز الحرس السري المفترض أن يرافقه، لكن الحيثية بدت واهية. بالنهاية، تقرر أن يقوم الثلاثة بالمهمة التي باتت محكومة بضغط الوقت، وبالتالي بالبحث عن تخريجة لتجديد وقف النار الذي تنتهي مهلته الأربعاء. مدة يومين لا تكفي لردم "فجوة واسعة جداً" بين الطرفين، ولا حتى لجزء منها. ولذا، فالمتوقع بل المرجح، أن يستقر الرأي على التمديد لحاجة الطرفين إليه، بصرف النظر عن تكرار التهديدات الماحقة.
في ضوء الخلفية والمعطيات، تزداد الخشية في واشنطن من أن الإدارة صارت في وضع أصعب، حيث تبدو طهران حتى هذه اللحظة، وكأنها باتت تمسك بالمبادرة ولو بصورة محدودة. فتحها أخيراً ثم إغلاقها لمضيق هرمز، عزّزا هذا الانطباع. لعبة فتحه المؤقت فات على الإدارة التقاطها (حسب السناتور الديمقراطي تيم كين)، والرد عليها بفك الحصار عن المضيق والموانئ الإيرانية، بحيث كان سيصعب دولياً على طهران العودة إلى إغلاقه. لذلك وغيره، صارت خيارات البيت الأبيض أضيق، بل محصورة باثنين: إما التراجع والقبول بتمديد وقف النار وإما المضي بخيار "استكمال" العملية العسكرية. ولوحظ أن هذا الأخير بدأت احتمالاته تطفو على السطح من باب أنه "الخيار الأجدى جيو-سياسياً". وثمة من يدافع بقوة عن هذا التوجه، من زاوية أن ترك دينامية الطاقة مع النووي بيد إيران من شأنه أن "يرفعها خلال سنوات إلى مرتبة القوة الدولية (وفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو روبرت باب)، إضافة إلى آخرين متشددين مثل السفير والمستشار الرئاسي سابقاً جون بولتون.
الرئيس ترامب يتبنى مثل هذا الموقف خطابياً. وقد كرره الأحد، قبيل جولة المفاوضات الثانية. لكن تكرار الوعيد من دون ترجمته، صار عبئاً لا هو يقوى سياسياً وانتخابياً، ولا أميركا اقتصادياً ودولياً، على تحمّله، خاصة لو استؤنفت الحرب وطال أمدها. في تقريره الأخير لاجتماع الربيع لوزراء المالية ومدراء المصارف المركزية في العالم، يحذر صندوق النقد الدولي من تبعات صدمة الطاقة التي أحدثتها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد العالمي (وفي القلب منه الاقتصاد الأميركي). النمو مهدد بالهبوط من 3.3% إلى 3.1%. وإذا ساْت الحال، فإن الهبوط قد يصل إلى 2.5%، وربما إلى 2%، خاصة إذا تواصل الاختلال في الامدادات النفطية حتى العام المقبل.
والأخطر، أن نسبة التضخم حسب التقرير، مرشحة للارتفاع إلى 4.4%، بل إلى ما بين 5 و6% إذا ازداد تدهور الأوضاع. وفي تقدير مديرة الإدارة في الصندوق كريستالين جورجيافا، أنه "لن تكون هناك عودة منظمة وواضحة إلى ما كانت عليه الحال قبل الحرب". وهي تشير على ما يبدو إلى أزمة هرمز، وهنا يكمن محور المفاوضات مع إيران لو جرى تجديد وقف النار. المضيق صار مفتاح المخرج أو العودة إلى الحرب. تجاهله في البداية أدى إلى تحوله لأزمة بحالها، صار تفكيكها المدخل الإلزامي لوقف الحرب.
وقف النار عادة محطة أولى لحلّ النزاع. الرئيس ترامب لديه مشكلة مع هذه القاعدة. نجح في عقد أكثر من وقف نار، لكن كلها ما زالت معلقة، من غزة إلى لبنان، فإيران، وصولاً إلى الفاتيكان الذي دخل الرئيس أخيراً مع سيّدها أميركي الهوية، في حرب كلامية أثارت ضجة محلية واسعة ضده. السبب أن حساباته خارجة عن الواقع، وأنه يتمادى في الوعود والحلول المتعلقة بمرحلة ما بعد وقف النار. وأحياناً، يطرحها بصورة قابلة للتأويل، بحيث يتعثر التوافق على تطبيقها (كما في غزة). هذا النهج أدى في حالة إيران وبالتحديد هرمز، إلى مازق يصعب التوقع بشأنه بقدر ما تستعصي القراءة المسبقة لقرارات الرئيس ترامب.
