استثمارات مصر في قلب العاصفة... الأموال الساخنة تهرب
Arab
2 hours ago
share
يواجه الاقتصاد المصري ضغوطاً عنيفة مع تصاعد حدة المواجهات الحربية في المنطقة، وهي التوترات التي ألقت بظلالها الثقيلة على الأسواق المحلية وتدفقات الاستثمارات الأجنبية. ويعكس هذا التطور المتسارع هشاشة نموذج اقتصادي لا يزال يعتمد بشكل مفرط على تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) أمام الصدمات الجيوسياسية، مما يضع صناع السياسات أمام اختبار جديد ومعقد للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي في بيئة عالمية مضطربة. في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، إن الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، تضع الاقتصاد المصري أمام مسار غير محسوم ومستقبل ضبابي، يتوقف بدرجة كبيرة على تطورات الحرب في الخليج. وبيّن خزيم أنه في حال التهدئة، قد تستعيد الأسواق توازنها وتعود التدفقات الأجنبية تدريجياً، ولكن مع زيادة كبيرة في معدلات الديون التي تراكمت خلال الأسابيع الماضية بسبب تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، وزيادة تكلفة واردات البلاد من الغاز والنفط بمعدل الضعف. أما في حال استمرار العمليات العسكرية، فيؤكد خزيم أن الضغوط ستتواصل على العملة والتضخم، مع احتمال اتساع نطاق خروج رؤوس الأموال، التي بلغت نحو 10 مليارات دولار خلال شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان 2026. وأوضح لـ "العربي الجديد" أنه في حال استمرار تأثير الحرب سلباً على دول الخليج، سيخسر ملايين المصريين فرص عملهم التي أصبحت تدر الدخل الأول للبلاد من العملة الصعبة بنحو 40 مليار دولار سنوياً. يأتي ذلك بالتوازي مع احتمالية تعرض ممر باب المندب للغلق، "ما يزيد من الخناق المفروض حالياً على مرور سفن الشحن من قناة السويس. وفي المحصلة، ستكون مصر في قلب الأحداث الساخنة التي تدفع المنطقة إلى كارثة اقتصادية واجتماعية خطيرة"، بحسب الخبير الاقتصادي نفسه. وبيّن خزيم أن الأزمة الحالية تؤكد أن الاعتماد على الأموال الساخنة لا يزال يمثل نقطة ضعف هيكلية للاقتصاد، في وقت يفترض فيه أن تقوم الحكومة ببناء نموذج أكثر استدامة قائماً على الاستثمار طويل الأجل لمواجهة عالم يزداد تقلباً. نزوح الأموال الساخنة أشارت بيانات حديثة صادرة خلال الأسبوع الأخير عن مؤسسات مالية دولية، بينها وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز "Standard & Poor’s"، إلى أن نحو 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة غادرت السوق المصرية منذ بداية الحرب، ما أدى إلى تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلي إلى 27.1 مليار دولار بنهاية مارس، مقارنة بذروة بلغت 38.1 مليار دولار في يناير/ كانون الثاني 2026. ويعكس هذا النزوح السريع نمطاً متكرراً، إذ تتفاعل التدفقات قصيرة الأجل بسرعة مع التغيرات العالمية. وكشفت تقديرات السوق أن أكثر من 6 مليارات دولار خرجت خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، فيما بلغ صافي التخارج نحو 4.4 مليارات دولار خلال شهر مارس وحده، في ظل إعادة تسعير واسعة للأصول في الأسواق الناشئة. اضطراب اللوجستيات من جانبه، يرى خبير اللوجستيات عمرو السمدوني، في اتصال مع "العربي الجديد"، أن تصاعد الحرب أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين وعلاوة المخاطر، بما دفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم لأدوات الدين مرتفعة العائد، وفي مقدمتها السوق المصرية، لصالح أصول دولارية أكثر أماناً. وأكد محللون أن أسعار الفائدة العالمية المرتفعة ساهمت في تقليص جاذبية الأدوات التي يصدرها البنك المركزي لصالح الخزانة العامة، في وقت تشير فيه تقديرات مصرفية إلى أن حجم الأموال الساخنة في مصر كان يقترب من 45 مليار دولار قبل الأزمة. وامتدت تداعيات التخارج إلى سوق الصرف، حيث تعرض الجنيه لضغوط حادة، إذ قفز سعر الدولار من نحو 46 جنيهاً إلى مستوى 55 جنيهاً في البنوك و64 جنيهاً في معاملات الأسواق الآجلة خلال أيام، قبل أن يتراجع إلى حدود 52 جنيهاً مع تحسن نسبي في المعنويات عقب الحديث عن هدنة مؤقتة. وانعكس تراجع العملة سريعاً على التضخم، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 15.2% في مارس، متجاوزاً توقعات المحللين، مع تسجيل زيادة شهرية بلغت 3.2%. وعزا السمدوني هذه القفزة إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتراجع الجنيه، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والتأمين المرتبطة بالحرب، وهو ما انعكس على أسعار الغذاء التي ارتفعت بنسبة 4.8% خلال شهر واحد. وتوقع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير وبنوك استثمار منها بلتون وسي آي كابيتال، استمرار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع زيادات مرتقبة في أسعار الكهرباء والوقود. تقلبات البورصة في موازاة ذلك، رصدت "العربي الجديد" تقلبات حادة في البورصة المصرية مدفوعة بعمليات بيع من المستثمرين الأجانب، خاصة في الأسهم المرتبطة بالقطاعين المالي والعقاري. وبرزت أدوات الدين بوصفها أكثر القطاعات تضرراً، تليها البنوك وسوق الأسهم، فيما تأثر القطاع الصناعي بارتفاع تكلفة الواردات والطاقة. كما تعرضت قطاعات السياحة والنقل لضغوط نتيجة اضطراب التجارة العالمية. وفي المقابل، تبدو الاستثمارات الخليجية المباشرة أكثر صموداً، نظراً إلى طبيعتها طويلة الأجل، وإن كانت قد تواجه تباطؤاً إذا طال أمد التصعيد. ورغم هذه الضغوط، لم تتعرض السوق لانهيار واسع، مدعومة بنشاط المستثمرين المحليين، إلى جانب رهانات على تحسن الأوضاع حال احتواء التصعيد. ويواجه البنك المركزي المصري معادلة معقدة في إدارة الأزمة، إذ يسعى إلى احتواء التضخم والحفاظ على جاذبية الأصول المحلية في الوقت نفسه. مصر وتحديات الموازنة تأتي تطورات الأزمة بينما تستعد وزارة المالية المصرية لتمرير موازنة العام المالي الجديد 2026/ 2027 في البرلمان للعمل بها اعتباراً من يوليو/ تموز المقبل، والتي تستهدف خفض العجز إلى 4.9% من الناتج المحلي، بإيرادات متوقعة تبلغ 4 تريليونات جنيه ومصروفات 5.1 تريليونات جنيه. وتشير الوزارة إلى أن حجم الموازنة العامة قد يرتفع، مع استهداف تحقيق فائض أولي 4.7% وخفض الدين إلى 90% من الناتج المحلي بحلول 2030. غير أن هذه الأهداف تواجه ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع أسعار النفط، التي تدور تقديراتها في الموازنة عند 75 دولاراً للبرميل، بينما قفزت لأكثر من 114 دولاراً، ورغم تراجعها إلى مستوى أقل من 100 دولار خلال الهدنة الحالية، ليست مرشحة للتراجع السريع وفقاً لمنظمة الطاقة الدولية. وفي مفارقة، أبقت وكالة موديز "Moody’s" على التصنيف الائتماني لمصر عند Caa1 مع نظرة إيجابية الأسبوع الماضي، لكن تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة الاثنين الماضي أشارت إلى مخاطر أكبر، إذ خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.2% في 2026. ويحذر الصندوق من سيناريوهات أكثر قتامة تشمل ارتفاع أسعار النفط بنسبة 100% والغاز بنسبة 200%، بما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الركود ويؤدي إلى تراجع حاد في تدفقات رؤوس الأموال للأسواق الناشئة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows