رحلة عابرة للزمن إلى "غيرنيكا" في متحف بيكاسو
Arab
2 hours ago
share
مرة أخرى تعود لوحة بيكاسو الشهيرة "غيرنيكا" إلى الواجهة، من خلال المعرض الفني الرقمي متعدد الأبعاد في متحف بيكاسو بباريس، ويتواصل حتى السادس من سبتمبر/أيلول المقبل. حيث يمكن للزوار أن يحصلوا على نظارات خاصة على شكل خوذة تعزلهم عن العالم الخارجي، وتسمح برحلة افتراضية مدتها 15 دقيقة، ليشاهدوا فيها كواليس مرسم الفنان في شارع دو غراند أوغسطين في باريس، مع رواية صوتية بلسان شخصيتين رافقتا التجربة منذ بدايتها، هما دورا مار، الفنانة السريالية ورفيقة بيكاسو، والكاتب خوان لارّيا، صديق الرسام وعضو الوفد الجمهوري الإسباني. تجربة معرض "تحولات غيرنيكا" بجهود إنتاج مشترك بين شركة لوسيد رياليتيز الباريسية المتخصصة في المحتوى الغامر والتفاعلي، وبرنامج VIVE Arts الدولي، ومتحف بيكاسو-باريس، تعيد بناء لحظة ولادة العمل الفني في مراحله، من المرسم الباريسي، إلى أخبار القصف، وتطور الرسومات، وصولاً إلى رحلة اللوحة في العالم. أسلوب المراحل في العرض يضع المشاهد داخل التاريخ، ويحوّل التلقي إلى مشاركة حسية، خصوصاً لدى الشباب الذين اعتادوا الوسائط الرقمية. وبهذه الطريقة تستمر "غيرنيكا" في أداء دورها في التذكير الدائم بأن ضحايا الحروب ليسوا أرقاماً، وأن الفن قادر على حفظ أصواتهم في الذاكرة الجماعية لكل البشر. استعادة لوحة غيرنيكا هنا تتجاوز تاريخيتها نحو اعتبارها وثيقة أخلاقية حيّة عن مصير المدنيين في الحروب. فمنذ إنجازها عام 1937، إثر قصف مدينة غيرنيكا الباسكية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، اكتسبت اللوحة مكانة استثنائية في تاريخ الفن، لأنها نقلت المأساة من مستوى الخبر السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية المباشرة. وثقت ريشة بابلو بيكاسو المجزرة أمام العالم من خلال الأجساد الممزقة، ومشهد الأمّ التي تحتضن طفلها الميت، والحصان وهو يصرخ، والثور الهامد والإضاءة التي تكشف الخراب. ومن خلال هذا التكوين، تحوّلت اللوحة إلى صيحة ضد الحرب نفسها، لا ضد طرف محدد فقط. حكاية لوحة أيقونية من المرسم الباريسي إلى العالم كله بدأت القصة من لحظة القصف الذي نفذته طائرات ألمانية وإيطالية دعماً لقوات فرانكو، استهدفت سوقاً مدنية في يوم عادي. الحدث الذي شكل صدمة عالمية، تواترت أخباره حول العالم، وضع بيكاسو أمام مسؤولية أخلاقية تتجاوز حدود التكليف الذي تلقاه لإنجاز عمل للجناح الإسباني في معرض باريس الدولي. وخلال أسابيع قليلة تحولت الاسكتشات الأولى إلى عمل فني ضخم يختصر الموت والهلع والدمار. ومنذ عرضها الأول، تجاوز حضور اللوحة فكرة الحدث الفني وأصبح بياناً إنسانياً يربط الفن بالحياة اليومية للناس، وبمصيرهم تحت القصف والنزوح والخوف. ومن هذه الزاوية يمكن فهم هذا الإلحاح على المقاربة الراهنة لتجربة اللوحة في معرض باريس.  لا سيما أن صور المدنيين الضحايا تتكرر في أكثر من مكان حول العالم، فكل حرب جديدة تصنع مشاهد مشابهة لما تحتويه اللوحة، أي أنها في كل مرة تُرسم من جديد وفق معطيات الواقع المعاصر، وهذه الراهنية لا تتعلق بتشابه الأحداث فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الألم الجماعي إلى لغة بصرية مشتركة. إذ يمكن لأي مشاهد اليوم أن يرى في تفاصيلها ملامح معاصرة لتصبح "غيرنيكا" كناية عن الضحايا الذين لا يظهرون في خرائط السياسة، وعن حياة يومية تنقلب فجأة إلى مأساة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows