الذاكرة السياسية في الجزائر تنزف: قادة يرحلون بلا مذكرات
Arab
1 hour ago
share
تواجه الذاكرة السياسية في الجزائر نزيفاً مستمراً، فمع كل رحيل لشخصية سياسية أو أمنية أو عسكرية، خصوصاً ممن لعبوا أدواراً حاسمة في محطات ومراحل مفصلية في التاريخ السياسي للجزائر، تخسر الذاكرة السياسية في البلاد رصيداً مهماً وشهادات حيّة كان يمكن أن تسهم في تسليط الضوء وتوفير المعطيات والحقائق وتصحيح بعض الأفكار عن المسارات والسياقات والوقائع والأحداث المختلفة التي مرّت بها البلاد. قبل نحو 3 أسابيع، توفي الرئيس الجزائري الأسبق ليامين زروال الذي قاد البلاد بين عامي 1994 و1999، وقبل ذلك كان قائداً في الجيش مباشرة بعد استقلال البلاد، وافداً من جيش التحرير حيث شارك في ثورة التحرير، وشغل منصب قائد للمدرسة العسكرية ثم أصبح قائداً للقوات البرّية حتى عام 1989، فوزيراً للدفاع في بداية الأزمة الأمنية التي عصفت بالجزائر في بداية التسعينيات، وقاد من خلال منصبه ذلك حواراً مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين كانوا قيد الاعتقال بعد حظر الجبهة بقرار قضائي في مارس/ آذار 1992، فرئيساً للدولة ثم للجمهورية في أول انتخابات رئاسية تعددية عام 1995، حتى قراره الانسحاب وتسليم السلطة في إبريل/ نيسان 1999. لم يترك زروال مذكرات أو شهادات مصورة تسعف النخب والمؤرخين كل هذا المسار التاريخي والعسكري والسياسي للرئيس زروال لم يتم تدوينه وتوثيقه، ما حرم الذاكرة السياسية في الجزائر من شهادة أساسية. لم يترك زروال مذكرات أو شهادات مصورة تسعف النخب والمؤرخين والأجيال الجديدة في الاطلاع على تجربته ومساره، والإضاءة على محطات ومرحلة مهمة من التاريخ السياسي للجزائر، سواء في مرحلة بناء الدولة والجيش بعد الاستقلال، أو في مرحلة الأزمة الأمنية التي كان خلالها الرئيس زروال في أعلى هرم السلطة، بكل ما شهدته من تداعيات داخلية وإقليمية، وتفاعلاتها وتأثيراتها على علاقات الجزائر الخارجية، وخصوصاً أن تلك المرحلة شهدت توترات سياسية مع دول مثل السودان وإيران واغلاق الحدود مع المغرب وأزمات مع فرنسا. قبل زروال، كان عدد من المسؤولين الجزائريين، في المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، قد رحلوا أيضاً عن الدنيا دون أن يدونوا مذكراتهم وشهاداتهم. في سبتمبر/ أيلول 2021، رحل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهو صاحب مسار سياسي ودبلوماسي طويل ومتشعب، وعاصر كبار الشخصيات السياسية التي طبعت العالم في مرحلة الحرب الباردة، دون أن يحول كل هذا المسار إلى توثيق يُثري المكتبة الجزائرية والذاكرة السياسية في الجزائر بحقائق لربما غابت بسبب ظروف وسياقات. في فبراير/ شباط 2025، توفي رئيس الحكومة الأسبق وأحد أبرز مؤسسي شركة سوناطراك سيد أحمد غزالي، دون أن يترك مذكرات وافية، وخصوصاً أنه كان شاهداً على بدايات الأزمة السياسية والأمنية في التسعينيات وكواليس الاجتماعات التي سبقت توقيف المسار الانتخابي. خسارة وفراغ في الذاكرة السياسية في الجزائر يشكل رحيل كل شخصية سياسية أو عسكرية مهمة من دون أن تستفيد منها الذاكرة الوطنية على النحو اللازم نزيفاً حقيقياً للذاكرة، وخسارة لا تعوض للميراث السياسي والثقافي للبلاد، يُصعّب على المشتغلين في حقل التاريخ السياسي مهمة الكتابة والتأريخ للبلاد، وإنارة الأجيال المقبلة واستقراء التجارب والأحداث على نحو صحيح وإيجابي. ويعتبر المؤرخ الجزائري البارز أحمد بن يغرز، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه بخلاف المسؤولين في كثير من الدول، حيث يبادر المسؤول إلى إصدار مذكرات وشهادات تكون محل نقاش وتثري مجالات الدراسات، قليلاً ما يفكر المسؤولون الجزائريون في كتابة المذكرات، وهذه مشكلة مرتبطة بثقافة شفوية وغياب الثقافة المكتوبة. ويقول إن "الذاكرة السياسية في الجزائر تعاني من فراغات كبيرة، يصعب استدراكها عندما يغادر المسؤولون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤولين في الصف الأول، حيث تفقد الكتابة التاريخية مواد ومعطيات هامة". ويلفت إلى أن "هناك أيضاً كابحاً يرتبط بمنسوب الحرية، بعض الكتابات تثير مشكلات مثلما حدث مع مذكرات الرئيس علي كافي (1992 – 1994)، والتي سُحبت وعدّلت، وهذا لا يشجع آخرين على الكتابة، كما أن مذكرات شخصية تاريخية مثل لخضر بن طوبال (أحد القياديين البارزين في ثورة التحرير)، بقيت معلقة منذ عام 1980، ولم تنشر إلا قبل عامين فقط"، مشيراً إلى أنه "في المستوى العسكري والأمني، يصبح الأمر أكثر حساسية". أحمد بن يغرز: المشكلة مرتبطة بثقافة شفوية وغياب الثقافة المكتوبة في الوقت الحالي، لا يزال أربعة رؤساء حكومات أداروا شؤون البلاد في مراحل مهمة وصعبة بلا مذكرات. مولود حمروش، الذي عمل مع الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد، وترأس الحكومة الثانية عقب انتفاضة أكتوبر/ تشرين الأول 1988، يرفض الكتابة عن تلك المرحلة أو تقديم شهادة، وكان يكتفي قبل خمس سنوات بين فترة وأخرى بنشر مقالات سياسية، وهناك أيضاً مقداد سيفي الذي قاد الحكومة في منتصف التسعينيات في عز الأزمة الأمنية، وأحمد بن بيتور، رئيس أول حكومة في عهد الرئيس الأسبق بوتفليقة، وعبد العزيز بلخادم أيضاً، وهو رئيس حكومة سابق لم يدون مذكراته برغم زخم تجربته السياسية. عدد من وزراء الخارجية السابقين في الجزائر، بينهم رمطان لعمامرة وعبد القادر مساهل على سبيل المثال، لا يكتب أي منهم شهادات سياسية، وأبرز قائد لجهاز الاستخبارات الجزائرية، الفريق محمد مدين، الذي أزيح من منصبه عام 2015، ما زال حيّاً، لكنه لم يصدر وليس في وراد أن يصدر مذكرات أو شهادات عن المرحلة التي عمل فيها على رأس الجهاز الأمني في البلاد، خصوصاً بحكم طبيعة منصبه السابق وحساسيته وارتباطه بفترة صعبة عاشتها الجزائر، ويمكن سرد لائحة طويلة لقيادات شغلت مناصب عسكرية وأمنية لم تدون مذكراتها أيضاً. ويؤكد الباحث في علم الاجتماع السياسي الجزائري زين الدين خرشي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "الحجة عند عدد كبير من المسؤولين الجزائريين السابقين لعدم الكتابة هي رغبتهم في عدم إثارة المشكلات حول قضايا تاريخية ومسارات سياسية". ويوضح أن "هناك بعض الكوابح التي تحدّ من رغبة الشخصيات السياسية والأمنية والعسكرية في كتابة ونشر مذكراتها، بينها مشكلة صعوبة تقبل الجيل الحالي للحقائق التي قد تكون مغايرة للمعطيات والصور التقليدية والسرديات التي طبعت في ذاكرة هذا الجيل، سواء اتجاه شخصيات أو مواقف أو أحداث ما جرى ترتيبها في الذاكرة السياسية المجتمعية بما لا يقبل أن تتم بعثرة هذا الترتيب بكشوفات جديدة". زين الدين خرشي: ترغب شخصيات في عدم إثارة المشكلات حول قضايا تاريخية ومسارات سياسية مسؤولية وتقصير سياسي وإذا كانت هذه الشخصيات المسؤولة لربما محكومة بواجبات التحفظ، بمن فيهم سفراء خاضوا تجارب دبلوماسية في كبرى العواصم وكانوا شهوداً أو أطرافاً في وقائع، فإن قادة أحزاب سياسية ممن عايشوا وخاضوا تجارب مهمة في بعض المراحل الحساسة ما زالوا أكثر تردداً في كتابة المذكرات والشهادات عن تجاربهم وعلاقتها بالمسارات التي شهدتها البلاد. زعيمة اليسار في الجزائر لويزة حنون، ورغم إلحاح مقربين منها، لم تبادر بعد إلى توثيق تجربتها ونضالها السياسي منذ السبعينيات. الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم أبو جرة سلطاني، والرئيس التاريخي لحركة النهضة الجزائرية عبد الله جاب الله، كلاهما يكتبان في مجالات السياسة والفقه السياسي، لكن أياً منهما لم يبادر إلى توثيق منهجي لتجربته السياسية وتأسيس الحركة الإسلامية في الجزائر إلا قليلاً. يبرز في هذا السياق عدم انتباه رسمي من قبل مؤسسات الدولة إلى أهمية تدوين الذاكرة السياسية في الجزائر باعتبارها حقائق للمستقبل، بغض النظر عن النجاحات أو الإخفاقات، حيث إن السياق السياسي الرسمي لا يشجع المسؤولين في الدولة على تدوين مذكراتهم ونقل تجربتهم، وهذا أمر يحدث حالة من الانقطاع في تراكم التجارب. منذ فترة، يشتغل الباحث والمنتج التلفزيوني الجزائري مراد أوعباس على إنجاز وثائقيات حول أحداث سياسية وتاريخية تخص الجزائر، بينها الوساطة الجزائرية في أزمة الرهائن في إيران، ويؤكد أن معضلة غياب التوثيق والمذكرات وكتابات الفاعلين وصنّاع الأحداث والمشاركين فيها من المسؤولين والفاعلين الجزائريين تصعّب كثيراً مسألة إضاءة الذاكرة السياسية. ويقول في تصريح لـ"العربي الجديد": "إنها بالفعل معضلة حقيقية وقد تكون حالة جزائرية بامتياز، تشكل شرخاً كبيراً في الذاكرة السياسية في الجزائر. الكثير من قادة الثورة وخصوصاً من الصف الأول ممن صنعوا ثورة التحرير، أحجموا عن كتابة مذكراتهم، وهم يتحملون مسؤولية تغييب الذاكرة، ثم المثقفين والنخب الذين لم يساهموا في ذلك إلا قليلا، وفي المقام الثالث المؤسسات الإعلامية، التي لم تكلف نفسها عناء السعي لتسجيل وتدوين شهادات هؤلاء". ويضيف أن "ما يزيد في صعوبة ذلك، سيادة ثقافة واجب التحفظ لدى بعض المسؤولين والشخصيات الجزائرية وطغيان فكرة السرّية، أو (التحسب) لإفشاء سر من أسرار الدولة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows