مسلسل "دور العمر"... احتمال أن تكون جيمس بوند
Arab
2 hours ago
share
يُقال إن الممثل ريز أحمد (1982، المملكة المتحدة)، الذي لعب دور البطولة في فيلم "هاملت" (أنيل كاريا، 2025)، كان مرشحاً محتملاً لتجسيد شخصية جيمس بوند، أشهر عميل بريطاني أبيض في الأدب والسينما. وقد طُرحت احتمالات عديدة حول هذه الشخصية، بدءاً من اختيار ممثل أسود، وصولاً إلى تغيير جنسه، بهدف استبعاد تصوير الثقافة البريطانية بوصفها امتيازاً حصرياً لمجتمع البيض الأنكلوساكسونيين البروتستانت، وهو مفهوم مستورد من الولايات المتحدة، ولكنه لا يزال يهيمن على قطاعات مثل صناعة الإعلام المرئي والمسموع. ومن المفارقات الطريفة، أن مسلسلاً مثل "دور العمر" (BAIT) من إنتاج شركة إم جي إم، التي حصلت على حقوق سلسلة العميل 007، وتُثير خططها المعلنة قلقاً أكثر من التفاؤل. لأن فكرة كون شاه جهان لطيف (ريز أحمد)، وهو ممثل من الدرجة الثالثة من أصول باكستانية، مرشّحاً جدّياً لدور عميل استخبارات بريطاني، فكرةٌ طريفةٌ بقدر سخريتها. من هذه النقطة، يتطوّر "دور العمر" (أمازون برايم، 2026) إلى كابوسٍ متواصل، من دون الوقوع في فخّ التكرار، بل يحوّل الضغط الواقع على الممثل من احتمال أن يصبح الرجل البريطاني المثالي إلى كابوسٍ بلا قاع. عبر مشاهد مكتوبة بإتقان، وعناصر دقيقة أيضاً، يطرح ريز أحمد، بصفته مبتكر المسلسل، أسئلةً بالغة الأهمية عن الجالية الآسيوية في بريطانيا العظمى، ونظرة المجتمع البريطاني إليها، وكذلك نظرة أبناء الجالية في المهجر. اختصار اسمه من شاه جهان إلى شاه فقط، لتسهيل نطقه على الغربيين، ليس إلا مثالاً واحداً على التخلّي عن الهويّة الشخصية الذي غالباً ما يُقدم لمجرّد إرضاء الآخرين. لكن عواقب السَّبق الصحافي الذي يُلحقه البطل بنفسه في وسائل الإعلام، تصبح رحلةً سورياليةً بقدر ما هي معقدة نفسياً. خوفه من أن يصبح طُعماً (أو مبتذلاً) يجبره على تبرير نفسه باستمرار لعائلة، بدلاً من أن تدرك العائلة "البُنّية" أن جيمس بوند أسمر البشرة يمكنه أن يساهم في تحسين اندماج مجتمعهم، يرونه خائناً للمجتمع الأبيض. المَشاهد العائلية، مع والدته طاهرة (شيبا تشادا)، مؤثرة للغاية. الحلقة الثالثة، الدائرة أحداثها خلال عيد الفطر، مسلّية، إذ تستكشف احتمالية العزلة التي قد تنجم عن قرارٍ أو موقف غير مدروس. حقيقة أن شاه وصديقه زلفي (جوز خان) لا يصومان في الواقع، بل يستخدمان الصيام ذريعةً في بعض المواقف، هي مثال آخر على علاقة البريطانيين من أصلٍ مسلم بالدين والهوية. تكمن قوة سيناريو ريز أحمد في طبيعته النقدية والنقد الذاتي، ما يؤدّي أحياناً إلى مسارات أعقد مما يبدو في البداية. من نقاط قوة المسلسل الأخرى، قدرته على تجنّب التكرار، إذ يستكشف أنواعاً/أمزجة مختلفة في كلّ حلقة، وغالباً ما يقلب الصور النمطية للأفلام الكوميدية الرومانسية أو أفلام الحركة رأساً على عقب، مُتخذاً إياها نتيجةً لخيارات البطل. في حلقة وفاء (الرابعة)، يتحوّل لقاؤه بحبيبته السابقة ياسمين (ريتو آريا) إلى نسخة غير موفقة من جولة بعربة ريكشا في شوارع بريك لين، وهو حيّ نابض بالحياة في شرق لندن يتميّز بتنوّعه الثقافي وتأثّره بالهجرة، مُتلاعباً بقوالب هذا النوع الأدبي/الفنّي. في الوقت نفسه، تُقدم حلقة "جزء من فخّ" (الخامسة) رؤية سوريالية لأفلام المؤامرة والمطاردات، وتضمّ ظهوراً مفاجئاً ومضحكاً للغاية لباتريك ستيوارت. كما هو الحال مع أي ميتاسرد (Metatextual) يتناول عالم السينما، يتضمن المسلسل أيضاً إشارات معتادة إلى هذه الصناعة وتحدّياتها، ويتميّز بظهور خاص لممثلين وممثلات عملوا مع ريز أحمد أو ينتمون إلى دائرته المقرّبة. بعضهم، مثل رافي سبال، أو باتريك ستيوارت، ولكن الأهمّ، ممثلون بريطانيون يشاركون بطل المسلسل هويّته متعددة الثقافات: هيميش باتيل، ونبهان رضوان، الذي أدى بطولة مسلسل "نادي الفيلم" (2025)، وساغار راديا، الذي شاهدناه في مسلسل "صناعة" (2020 - 2027)، يظهرون في حلقات خاصة، بينما يُستخدم ديف باتيل، الأكثر شهرة بينهم، دعابةً متكرّرة حول الارتباك الذي يسبّبه الممثلون الآسيويون لدى المعجبين الغربيين. العمل يطرح نقداً ذاتياً نادراً داخل الجالية الآسيوية في بريطانيا يُذكّر "دور العمر" بمسلسلات أخرى تناولت صراعات الهوية، مثل "رامي" (2019 - 2022)، ومسلسل "مو" (2022 - 2025). مع ذلك، وبالمقارنة بهذين العملين، يركّز "دور العمر" على الدين والعرق، وينغمس أكثر في الهوية والاندماج الاجتماعي. وهو يُشبه إلى حدّ كبير فيلم Mogul Mowgli (بسّام طارق، 2020)، الذي شارك ريز أحمد في كتابته وبطولته إلى جانب المخرج (أنجز أيضاً الحلقات الثلاث الأولى من "دور العمر"). تشمل قائمة الشكر أسماءً مثل جيسي آرمسترونغ وكريس موريس، اللذين تعاون معهما الممثل في فيلمه الكوميدي "أربعة أسود" (2010). مع تطوّر الأحداث، تتحوّل التجربة التي كان من الممكن أن تُخرج شاه من دائرة المجهولية إلى ضغطٍ نفسي لا يُطاق، فينتهي به الأمر مُحطّماً ومُختلّ التوازن تقريباً، يخاطب رأس خنزير ويواجه ذاته. عندما فاز ريز أحمد بجائزة إيمي عن أدائه الرائع في مسلسل The Night Of وظهر في فيلم "روج وان: قصّة من حرب النجوم" (غاريث إدواردز، 2016)، طُرح اسمه بديلاً مُحتملاً لدانيال كريغ (بعد صدور فيلم "سبيكتر" (سام مينديز، 2015) بتقييمات سيّئة)، ليؤدي دور جيمس بوند. وبينما قد تكشف نهاية المسلسل عن أفكار ريز أحمد حول هذا الاحتمال، فقد وفّرت بالتأكيد أساساً لقصّة مسلية ومثيرة للتفكير حول الهوية الآسيوية (وغير الغربية عموماً) في صناعة تُبيّض كلّ ما حولها للحفاظ على صورتها الجميلة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows