Arab
منذ انطلاق الثورة السورية 2011، شهدت حياة النساء السوريات تحولات جذرية وعميقة، إذ فرضن سريعاً حضورهن على العالم بوصفهن ناجيات لا مجرد ضحايا. وبمرونة لافتة، تعاملن مع الظروف الطارئة، فحوّلنها إلى واقع قابل للتكيّف والمداورة، ونجحن في المواءمة بين قسوة الظروف وإرادة الحياة. ومع الوقت، تحوّلت تفاصيل المعاناة اليومية إلى قصص نجاح ألهمت الكثيرين، وبدا وكأن هذه التجربة تُختصر في صورة صمود استثنائي. غير أن هذه الصورة، في جانب منها، لم تكن سوى سراب سرعان ما تبدّد.
اليوم، وبعد سقوط النظام، تبدو الصورة أكثر قتامة. حالة عامة من القنوط تسيطر على حياة كثير من السوريات، مع واقع محبط وخيبات متراكمة أعادت رسم مسارات حياتهن من جديد. وكأنهن عدن إلى نقطة الصفر، يواجهن حجم الخسارة القديمة والمتجددة في آن، وسط عزلة قاسية وغياب شبه كامل للدعم. تُركن في مواجهة سلطات أمر واقع متعددة، وضمن سياق من التراجع المنهجي لكل ما تم بناؤه سابقاً من أدوات نجاة، ليتكشف لاحقاً أن كثيراً من تلك الإنجازات لم يكن راسخاً كما ظُنّ.
وقد بلغت الضائقة الاقتصادية، لا سيما لدى النساء المعيلات أسرهن، مستويات غير مسبوقة، بات من المستحيل تجاهلها أو تجاوزها. فشلت محاولات الإنعاش، وباتت كثير من النساء وكأنهن عالقات في نفق مظلم، يفتقر إلى أدنى مقومات الخروج أو التعافي.
لا تتوافر حتى الآن بيانات دقيقة أو دراسات محايدة توثّق حجم خسارة النساء السوريات لوظائفهن
تروي أم راوي، وهي سيدة سورية كانت تعمل في إعداد الأطعمة المنزلية، جانباً من هذه الأزمة. كانت تتنقل بين البيوت لتحضير أطباق تقليدية لزبونات من طبقات ميسورة أو لنساء لا يستطعن الطهي لأسباب مختلفة. إلا أن هذا العمل، الذي كان يؤمّن لها مورداً مقبولاً، تراجع بشكل حاد. تقول إنها فقدت معظم زبوناتها، ولم يتبقَّ لها سوى ثلاث من أصل خمس عشرة. بدأت الخسارة تدريجياً عبر تقليص عدد الطلبات، قبل أن تتوقف نهائياً. حاولت التكيّف، فخفضت أجرها وقدّمت خدمات إضافية مجانية، مثل شراء وتنظيف المكونات، لكن كل محاولاتها لم تُجدِ نفعاً، وخسرت مصدر دخلها الوحيد.
في المقابل، لا تتوافر حتى الآن بيانات دقيقة أو دراسات محايدة توثّق حجم خسارة النساء السوريات وظائفهن، سواء في القطاع العام أو الخاص. كثيرات فقدن أعمالهن نتيجة تسريحات جماعية، أو أُجبرن على الانتقال إلى مناطق بعيدة وأعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهن، في تجاهل واضح لظروفهن الأسرية. وفي حالات عديدة، اضطرت النساء إلى تقديم استقالاتهن تحت ضغط هذه الظروف، في مشهد يبدو ظاهرياً طوعياً، لكنه في جوهره نتيجة قرارات قسرية ومجحفة.
وزاد ارتفاع الأسعار من حدة الأزمة، حتى باتت أبسط الاحتياجات اليومية بعيدة المنال. المفارقة أن ما وُصف سابقاً بـ"حرية التعبير" لم يترجم إلى أثر ملموس في حياة الناس. فالأصوات التي ارتفعت احتجاجاً على الغلاء وتدهور القدرة الشرائية بقيت بلا صدى. ماذا يعني أن تصرخ امرأة مطالبة بتخفيف الأعباء، أو أن تعبّر أخرى عن عجزها عن تأمين الغذاء لأطفالها رغم عملها ساعات طويلة؟
تحوّلت حرية التعبير، في هذا السياق، إلى مجرد صرخات تتردد في فراغ، بلا استجابة حقيقية. لم تعد وسيلة للتغيير، بل أصبحت في كثير من الأحيان تعبيراً عن العجز، ومشهداً يومياً لصوتٍ لا يجد من يصغي إليه. وهكذا، جُرّدت هذه الحرية من معناها، وتحولت إلى ضجيج في آذان فقدت القدرة، أو الرغبة، على السماع.
Related News
العلا بطلاً لـ«الكرة الشاطئية للسيدات 2026»
aawsat
6 minutes ago
رسالة من أنتونيلا إلى الصحفية المتهمة بـ«مغازلة ميسي»
al-ain
13 minutes ago