Arab
تبدو أسواق الأسماك في مصر قبل ساعات من يوم "شم النسيم" وكأنها على موعد مع طقس جماعي لا يتغير، رغم الأزمات الاقتصادية المتتالية على البلاد. طوابير ممتدة، أصوات الباعة ترتفع بإعلان المزايدات على طاولات بيع الأسماك في حلقات الصيد الشهيرة بمدن بورسعيد والمنزلة والبرلس والإسكندرية شمال البلاد والسويس ومدينة العبور شرق العاصمة. وأسر كاملة تتنقل بين المحال بحثاً عن "أفضل فسيخ" أو أرخص أسماك مدخنة "الرنجة" في مشهد يعكس مفارقة مصرية لافتة: الأسعار ترتفع إلى مستويات قياسية، لكن الإقبال لا يتراجع.
في أحد أسواق مدينة الجيزة، يقف الموظف أحمد مصطفى ممسكاً بكيس يحتوي على كيلو فسيخ بوري كبير اشتراه بـ600 جنيه (نحو 11.5 دولاراً). يبتسم قائلاً: "غالية طبع، لكن يوم شم النسيم من غير فسيخ ورنجة يبقى ملوش طعم، حتى لو هنقلل الكمية". تكشف قائمة الأسعار التي يضعها أحمد حجر، أحد التجار المشاهير في سوق بيع الأسماك بميدان الجيزة، عن قفزات حادة في مختلف الأنواع، حيث سجل سعر كيلو سمك البوري درجة أولى نحو 405 جنيهات للكيلو، بينما وصل الدنيس إلى 575 جنيهاً، والقاروص إلى 635 جنيهاً. أما الجمبري، فقد تجاوز في بعض أنواعه حاجز 1000 جنيه، إذ بلغ سعر السويسي سوبر جامبو نحو 2780 جنيهاً للكيلو، في حين سجل الكلماري "السبيط" البلدي نحو 575 جنيهاً.
ويبقى الارتفاع الأبرز في منتجات الموسم الأسماك المملحة، إذ بلغ سعر الفسيخ البوري الكبير 600 جنيه، والطوبار 450 جنيهاً، بينما قفزت كيلو البطارخ المملحة إلى 3200 جنيه للكيلو، في واحدة من أعلى الأسعار المسجلة تاريخياً. وفي جولة بأسواق الأسماك، رصد "العربي الجديد" أن حركة البيع لم تتوقف على مدار اليوم. ويقول أحد التجار: "الناس تشتري على قدر دخلها، ومن كان يشتري 3 كيلوغرامات أصبح يشتري كيلو، لكن لن يستغني عن الفسيخ أو السردين المملح والرنجة المدخنة". يعود الاحتفال بشم النسيم إلى العصور الفرعونية، حيث كان المصريون القدماء يحتفلون ببداية الربيع بالخروج إلى الحدائق وتناول الأسماك المملحة والبصل والخس.
على مر القرون، حافظ المصريون على هذا الاحتفال الشعبي بخلاف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية، حتى أصبح أحد أبرز المظاهر الجامعة للمصريين بغض النظر عن الدين أو الطبقة التي ينتمون إليها. اليوم، تبدو هذه التقاليد أقوى من الضغوط الاقتصادية. فحتى مع تآكل القوة الشرائية، يصر كثيرون على الحفاظ على "الحد الأدنى" من الطقوس الشعبية. تقول الخمسينية "أم محمد"، ربة منزل: "قد نلغي أشياء كثيرة من مطالب الأسرة، لكن في هذا اليوم لا بد أن نجهز الوجبة المميزة من الفسيخ والأسماك، ولو اشترينا الرنجة الرخيصة بدلاً من الفسيخ الذي تضاعفت أسعاره العام الجاري".
ويذكر محللو أسواق أن وراء القفزات السعرية في الأسماك الطازجة والمملحة تتراكم عدة عوامل اقتصادية. فمع تراجع الجنيه المصري مقابل الدولار، ارتفعت تكلفة مدخلات الإنتاج، بدءاً من الأعلاف المستوردة للمزارع السمكية، وصولاً إلى مستلزمات النقل والتخزين. وساهمت الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات في رفع تكلفة نقل الأسماك من المزارع والموانئ إلى الأسواق، وهو ما انعكس مباشرة على المستهلك النهائي. ويشير تجار إلى أن "تكلفة العربات التي تنقل السمك تضاعفت تقريباً خلال سنة".
ووفق محللين، لا تقتصر الضغوط على الداخل فقط، فقد قدرت وكالة ستاندرد آند بورز خروج نحو 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة من مصر منذ بداية الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران، مع تراجع استثمارات الأجانب في الدين المحلي إلى 27.1 مليار دولار في مارس/آذار، مقارنة بـ38.1 مليار دولار في يناير. وتشير هذه المؤشرات إلى استمرار الضغوط على العملة، وهو ما قد ينعكس على مزيد من ارتفاع الأسعار في الفترة المقبلة.
في مدينة نبروه بمحافظة الدقهلية، المعروفة بقلعة صناعة الفسيخ، وسط دلتا النيل، أعلن المنتجون حالة "الطوارئ" لمواكبة الطلب الموسمي، داخل المصانع الصغيرة، التي تتراص بها براميل التمليح، وتتحرك العمالة بوتيرة سريعة لإنهاء الطلبيات قبل يوم العيد. ولا تخلو الصورة من التحديات، كما قال أحد المنتجين الذي يورد جل منتجه إلى عملائه بالعاصمة القاهرة، معلقاً على غلاء الأسعار لـ"العربي الجديد" بقوله إن "سعر السمك الخام ارتفع كثيراً العام الجاري، مع زيادة بتكاليف الملح والنقل والعمالة، الأمر الذي جعل هامش الربح أقل، رغم أن السعر النهائي يظل مرتفعاً من وجهة نظر العملاء".
مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، حيث تمتد محال عائلية لتجارة الفسيخ منذ عقود، يحاول التجار الحفاظ على سمعتهم في الجودة، وسيلةً لمواجهة تراجع القدرة الشرائية. يقول أحدهم: "الزبون يبحث عن السلعة المضمونة حتى لو كان السعر أعلى قليلاً ليتسنى له أكل الفسيخ مرة واحدة في السنة". ومع ارتفاع الأسعار، لجأ بعض المستهلكين إلى بدائل أقل تكلفة، حيث زاد الإقبال على شراء الملوحة، وهي أسماك صغيرة ورخيصة، مع ذلك سجل الكيلو منها نحو 300 جنيه، وكذلك السردين، بينما جاء سمك البلطي النيلي والمزارع ما بين 100-130 جنيهاً، حيث لا يزال أقل سعراً نسبياً مقارنة بباقي الأنواع من أسماك المياه المالحة أو العذبة.
تظهر في الأسواق أنماط شراء جديدة، مثل تقاسم الكميات المشتراة من وجبات الأسماك والفسيخ بين أفراد الأسرة، أو شراء أنواع مختلطة بكميات صغيرة. يقول مصطفى البديوي تاجر أسماك: "يشتري زبائن نصف كيلوغرام من كل صنف. يسعون لتجربة كل نوع على مائدة أسرية".
ومع كل يوم يحتفي فيه المصريون بشم النسيم الذي يعلن رسمياً انتهاء فترة الشتاء وبداية موسم الربيع الدافئ، قد تتغير الكميات التي يستهلكونها من الأسماك بأنواعها وتتبدل الخيارات، لكن الطقس ذاته يبقى حاضراً كما يقول الأربعيني أحمد مصطفى وهو يغادر سوق الأسماك بالجيزة: "يمكن أن نقلل الكميات، لكن لن نلغيها من حياتنا أبداً".
(الدولار= 53.2 جنيهاً مصرياً تقريباً)

Related News
الميكانيكي السعودي أحمد شوق ينضم لأكاديمية «فورمولا 1»
aawsat
4 minutes ago
روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»
aawsat
10 minutes ago