بقلم /د- محمد جميح
توحدت أقاليم المملكة العربية السعودية بنظامها السياسي الحالي وجغرافيتها الطبيعية عام 1932، واستقلت الدول الخليجية الأخرى خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وظلت تلك الدول محتفظة بنظمها السياسية الملكية خلال عقود طويلة، رغم التحديات والمخاطر والكوارث التي مرت بها المنطقة العربية، والتي عصفت بالعديد من الأنظمة السياسية العربية، خلال العقود المنصرمة.
وفي الوقت الذي دبجت فيه مقالات ودراسات كثيرة عن هذه الأنظمة، ومدى هشاشتها، واعتمادها على الخارج، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وكليشيهات قاموس الستينيات والسبعينيات، من مثل: “أنظمة النفط”، “البترودولار”، و”الرجعية العربية”، وعملاء الإمبريالية”، وغيرها من مصطلحات لاحقة من مثل: “مدن الزجاج”، أو “مدن الأبراج”، أو حتى تشبيهها بـ”جمهوريات الموز”، ناهيك على اللغة العنصرية التي تعود لقاموس شعوبي واستشراقي قديم حديث، وغير ذلك من تنميطات ذهبت مع الريح، وبقيت أنظمة الخليج، نموذجاً للثبات والتجدد في الوقت ذاته، رغم ذهاب خصومها الآيديولوجيين من اليمين واليسار في المنطقة.
يرجع البعض هذا الثبات إلى “الأنظمة الملكية” الحاكمة، على أساس أنها تطور لنظم “المشيخات القبلية” المناسب لطبيعة المجتمعات العربية، وخاصة مجتمعات الخليج ووسط الجزيرة، ويرجع آخرون ذلك إلى “الطفرة النفطية”، والدعم الخارجي، وهناك من يرجع الأمر إلى الرضى الشعبي الذي يعد تفويضاً لهذه الأنظمة التي رعت نهضة تنموية وخدمية واقتصادية، وبنت قاعدة علمية وتكنولوجية متقدمة على غيرها من دول المنطقة بمراحل، عدا عن آخرين يرجعون الأمر إلى أن هذه الأنظمة تتوفر على قدر كبير من “الواقعية السياسية”، والتخفف أو الخلو من لوثات الأيديولوجيا التي تصل حد العمى لدى بعض الأنظمة، الأمر الذي مكن أنظمة الخليج من التعاطي بحنكة وواقعية، جنبتها، وجنبت دولها وشعوبها ويلات ما تعرضت له أنظمة عربية أخرى، لم تتمكن من الصمود والتكيف مع المتغيرات، ولا أحدثت النهضة التي أحدثتها دول الخليج العربي، خلال فترة وجيزة، دون أن يرجع السبب – حصراً – لوفرة مداخيل النفط، كما يحلو للبعض أن يعلل، لأن النفط موجود لدى كثير من الأنظمة التي كان مصيرها كارثياً.
ومهما تكن عوامل صمود تلك الأنظمة فإن العرب اليوم معنيون بالحفاظ على هذه الكتلة العربية التي تجاوزت مخاطر كثيرة، منذ الانقسام العربي-العربي، إبان فترة الستينيات، وما بعدها، ومروراً بالحرب العراقية الإيرانية، ثم احتلال الكويت، واحتلال العراق، وما تلاه من ارتجاجات أمنية، كان لها آثار مدمرة على العراق وجواره العربي، حين تحول هذه الاحتلال إلى فرصة لإيران للتوسع والهيمنة، بعد سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وصولاً إلى موجات “الربيع العربي”، وما أعقبه من حروب أهلية دمرت عدداً من البلدان العربية، ولا تزال تداعياتها تتفاعل، حتى اللحظة، دون أن نغفل الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المستمر، على البلدان العربية، الأمر الذي ضاعف من التحديات التي واجهها ويواجهها الأمن القومي العربي، بشكل عام، والخليجي، بشكل خاص، وصولاً إلى العدوان الإيراني على دول الخليج، في محاولة إيرانية للضغط على أمن الطاقة العالمي، لوقف الحرب.
يتحتم اليوم تجاوز الأفكار التقليدية التي تقوم على رؤية “الأمن مقابل النفط”، لأنها تطبق بانتقائية، لا تضمن المصالح العربية، كما أن الحاجة الأمريكية للنفظ لم تعد كما كانت
إن التجربة السياسية والتنموية والاقتصادية والعلمية الخليجية جديرة – بالفعل – بالدراسة والتأمل، بعيداً عن الكليشيهات التضليلية، والصور النمطية التي لا زالت لدى كثير من المعلقين والدارسين العرب والغربيين على السواء، وهي تنميطات متأثرة بقاموس ومفاهيم وأيديولوجيا ستينيات القرن الماضي التي لم تكن ترى في دول الخليج إلا “براميل نفط”، ومجتمعات استهلاكية، وعقليات بدوية، لا تحسن الانخراط في عالم الحداثة الذي روجت له أيديولوجيات تبنتها أنظمة، لم تصمد، كما صمدت الأنظمة الخليجية، ولم تقدم لشعوبها ما قدمت تلك الأنظمة.
ومع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ورغم هدنة الأسبوعين، تتزايد المخاطر الحقيقية على أمن تلك الدول التي تجاوزت الكثير من الأخطار، كما ذكرنا، غير أن المخاطر الحالية – فيما يبدو – كشفت عن الحاجة لمنظومة أمن خليجي وعربي تكاملي حقيقي، وليس مجرد أحاديث وتنظيرات عن الأمن القومي العربي، وميثاق الدفاع المشترك، والعمل العربي المشترك، وغيرها من عناوين لم تُفعَّل في معظم اللحظات الحرجة في التاريخ العربي الحديث والمعاصر.
ولعل المحاولات التي لا تزال في طور الرؤى والأفكار تشير إلى إدراك قادة دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان لأهمية الاعتماد على الذات في الدفاع عن النفس، وحماية المكتسبات. هذا الأمر يتطلب الانطلاق من الكتلة الخليجية الصلبة التي تشكل مركز ثقل عربي سياسي واقتصادي يمكن أن يكون عامل ثبات واستقرار في منطقتنا التي لا تكاد تهدأ حتى تضطرب.
كما أن تطوير آلية معينة لحل الخلافات، من خلال “محكمة خليجية” للفصل في النزاعات، أو تفعيل أداء “مركز التحكيم لدول مجلس التعاون الخليجي”، كل ذلك يمكن أن يسهم في تنقية الأجواء التي لا مناص من تنقيتها، لأن البديل سيكون حينها اعتماد هذه الدول في أمنها على الأجنبي، وهي تجربة، وإن أجدت خلال العقود الماضية، إلا أنها تحتاج إلى مراجعة، بعد سنوات من اختلاف المصالح، وتداخل الملفات، الأمر الذي يحتم العمل على تكثيف الجهود، لمواجهة المخاطر، وللتعاطي مع المستجدات، والتخاطب مع الآخر من منطلق الندية الحقيقية التي تضمن تحقيق مصالح الأطراف المختلفة، وتجاوز الأفكار التقليدية التي تقوم على رؤية “الأمن مقابل النفط”، لأن هذه الرؤية يتم تطبيقها بانتقائية تضمن مصالح الآخر، ولا تضمن مصالح دول الخليج، أو الدول العربية الأخرى، كما رأينا، خلال تجربة السنوات الماضية، عدا عن أن الحاجة الأمريكية للنفط الخليجي لم تعد كما كانت.
إن نجاح الدول الخليجية شكل وسيشكل نموذجاً ملهماً، بالمفهوم الحقيقي لا المجازي، حيث يجب استلهام هذا النموذج، والعمل على الحفاظ عليه وتفعيل آليات تطويره، بما يجعل التجربة – بالإضافة لكونها نموذجاً – مظلة يلجأ إليها الكثير من العرب وغير العرب الطامحين لتحقيق طموحاتهم، في حياة كريمة مستقرة، بعيداً عن ويلات الحروب التي عانت من ويلاتها شعوب عربية سقطت دولها، وتفتت نسيجها المجتمعي.
Related News