Arab
رسائل متضاربة ومتناقضة ترسلها الأطراف المشاركة في الحرب بين التصعيد (الاستمرار في القصف المتبادل والاغتيال والتهديد بقصف الشركات الأميركية، وبإنزال جنود أميركيين وتدمير جزيرة خرج) والتصريحات عن الانفتاح على التفاوض، بل وقرب الوصول إلى اتفاق مع "شخص مناسب"، كما قال الرئيس دونالد ترامب. الوصول إلى اتفاق صعب بسبب رفع سقف المطالب من الطرفَين، ولكن أيضاً لأنّ كلّ طرف يريد أن يخرج من هذا الصراع بعد هذه الخسائر زاعماً أنّه انتصر، وأنّه استطاع إخضاع الطرف الآخر ودفعه إلى قبول مطالبه.
وفي ظلّ الارتباك الذي سبّبته الهجمات الإيرانية على الدول التي أعلنت عدم مشاركتها في أيّ هجوم، نلاحظ تحوّل التعاطف مع إيران، لتعرّضها لضربات أميركية إسرائيلية، في أوساط كثيرة في تلك الدول، إلى حالة غضب من سياستها وطريقة تعاملها مع الأزمة. هذه الحالة غير المسبوقة من أعمال التخريب التي وصلت إلى حدّ إغلاق مضيق هرمز، وتعطيل إمدادات الطاقة والغاز الدولية، دفعت كثيراً من المتضرّرين، في داخل المنطقة وخارجها، إلى حثّ الطرفَين على الجلوس مرّة أخرى للتفاوض والخروج باتفاق ينهي حالة التوتّر والتهديدات الأمنية.
حتى لو وصل الأمر إلى حدّ حرب برّية، وهو تطوّر غير مستبعَد، فإنّ ورقة التفاوض تظلّ مطروحةً، ولكن هل يتعلّق الأمر هنا بالبنود الـ15 المسرّبة للإعلام التي أعلن الجانب الإيراني رفضها ووصفها بأنّها غير منطقية، أم أنّ ما نراه هو جبل الجليد، بينما تختفي حقيقة أخرى خلف غبار الحرب؟ بمعنى أنّه إذا كان حصول إيران على السلاح النووي أو تسليمها بشكل سلمي ما تملكه من اليورانيوم المخصَّب، وهي ليست مطالب يُتوقَّع قبولها تماماً مثل ما هي حال المطلب الإيراني المتعلّق بالتعويض أو السماح بعودة البلد بشكل كامل إلى السياق الاقتصادي والسياسي الدولي، فعلى ماذا يمكن أن يكون الاتفاق؟ وكيف يمكن تصوّر الخروج بتفاهم يحفظ ماء وجه الجميع؟
الخوف الأكبر أن يكون ثمّة اتفاق على حساب مصالح الدول العربية
هنا تبرز محاذير كثيرة ومخاوف، فمثل ما لا يتمنى أحدٌ (إلا من هو صاحب نظرة ضيّقة) أن يصل الأمر إلى خطّ متهوّر لا رجعة فيه مثل استخدام القنبلة النووية مثلاً لما سيكون لذلك من أثر وضرر، فكذلك لا تريد أغلب الدول أن ينهار النظام الإيراني بشكل مفاجئ فتتحوّل إيران إلى دولة فاشلة. إيران بما تحمله من ثقل ديمغرافي ومساحة واسعة وجماعات مسلّحة قد تتحوّل في حال حدث ذلك إلى ملجأ للإرهاب، أو إلى بؤرة حرب أهلية تهدّد الاستقرار الإقليمي. المفارقة تكمن في أنّ أغلب المتعاطفين مع إيران، حتى أولئك الذين يرون أنّها ليست سوى ضحية اعتداء وحرب لفرض الهيمنة، لا مصلحة لهم في أن تخرج بلد الولي الفقيه من هذه الحرب بانتصار كامل، أو أن يُترك لها الطريق مفتوحاً لمتابعة مشروعها النووي، أو لاستخدام أموال النفط في تطوير مزيد من الأسلحة والصواريخ الفتّاكة.
الخوف الأكبر من ذلك كلّه أن يكون ثمّة اتفاق على حساب مصالح الدول العربية. التصريحات الأميركية الملتبسة التي تتحدّث عن وجود تفاهمات مع "شخصيات معتدلة" داخل النظام أثارت القلق من أن يتمخّض ذلك التفاوض غير المرئي عن اتفاق يُسمح لإيران بموجبه، إذا قدّمت تنازلاً مقبولاً أو وافقت على تسليم اليورانيوم المخصّب مثلاً، أن تحافظ على استمرار نظامها الحالي، بل أن تتمدّد مجدّداً، وأن توسّع نفوذها، على غرار ما حدث في معادلة العراق السابقة. ولادة اتفاق مشابه ستضمن لإيران أن تعوّض خسائرها خلال فترة وجيزة، وأن تستعيد مكانتها قوةً إقليميةً في وقتٍ تكون فيه عواصم خليجية في حالة اجتهاد لاستعادة مكانتها الحضارية السابقة قبلةً للاستثمار والتجارة، أو حتى السياحة.
لا تريد أغلب الدول أن ينهار النظام الإيراني بشكل مفاجئ
اتفاق مثل هذا ليس مستبعَداً، لأنّه سيكون مفيداً لترامب الذي يبدو بحاجة ماسّة اليوم إلى مخرج، وقال في تصريح طلب فيه مساعدة حلفائه إنّه لا يعرف كيف يمكن أن تُستعاد السيطرة على مضيق هرمز. يبدو أن ترامب قد انتبه لحجم الورطة التي أدخل نفسه وبلاده فيها، بعدما رأى التكلفة العالية لمحاولة تغيير النظام، ووصلت إلى حدّ التلاعب بالاقتصاد العالمي، بل إلى تعريض سوق الأسهم الأميركية لمخاطر لم تكن في الحسبان.
نذكّر هنا أنّه كان لبعض دول الخليج وجهة نظر صائبة إبّان مفاوضات الاتفاق النووي الأولى قبل أكثر من عقد، أنّ على دولهم أن تكون جزءاً من أيّ اتفاق، أو على الأقلّ أن تُضمَّن مشاغلهم، وفي مقدمتها حماية بلادهم ومواطنيهم من التدخّل والتهديد الإيراني. كانت وجهة النظر هذه تقول إنّ استيعاب إيران في المنظومة الدولية، وفق ما نصّ عليه الاتفاق، في مقابل تخلّيها المؤقّت عن المشروع النووي، ممكن، لكن بشرط التعهّد بتحسين سلوكها السياسي وارتباطاتها الإقليمية، وأن تتخلّى خصوصاً عن سياسة التدخّل الإقليمي ورعاية المليشيات.
لم يلتفت الرئيس باراك أوباما (انشغل حينها بإنجاز الاتفاق تحقيقاً لمجد شخصي) إلى هذه المطالب، بل بدا أقرب إلى وجهة نظر طهران التي كانت تعتبر هذا الاتفاق فنّياً في الأساس، ولا يجب أن يتضمّن أيَّ إشارة إلى ما يتجاوز مسألة المشروع النووي. واليوم، يتكرّر المشهد مع اتفاق محتمل يُعدّ خلف الكواليس، فهل نظنّ أنّ ترامب الذي تعامل ببرود مع ما تعرّض له حلفاؤه في المنطقة من هجمات مشغولاً، وهو يفكّر في إعداد اتفاقه الجديد، بالمصلحة العربية أو الخليجية؟

Related News
إقالات في البنتاغون بزمن الحرب على إيران
alaraby ALjadeed
44 minutes ago