وحشة الأمكنة
Arab
2 hours ago
share
تتحوّل الأمكنة التي يعيش فيها البشر إلى أمكنة موحشة حين يسعى النظام السياسي للحدّ من الحريات الشخصية، وخلال ذلك يستهلك إعلام النظام القول القديم الذي يقول إن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية غيرك، في استخدام مغرض، ومراوغ، فهو تحصيل حاصل يمكن ضبطه، وهو يضبط بكثير من السهولة والاحترام بالقانون في عشرات البلدان، بحيث لا يحتاج أي مواطن لقياس المسافة بين ذراعه وبين أنف زميله، كي يعرف كيف يمدّها. هذه خرافات تسوقها أنظمة الاستبداد كي تحجز الحريات الشخصية، وتحول الأمكنة من الألفة إلى الوحشة، بحيث يبدو أنف جارك عدواً لك، وتبدو ذراعك سلاحاً للقتل. لا يكتفي النظام السياسي الاستبدادي بالسيطرة على السلطة، بل يسعى للهيمنة على الحريات العامة أولاً، ثم يغزو، حقيقة ومجازاً، المجال العام، وخاصة تلك الأمكنة التي يتاح فيها للمواطنين التحرك والكلام بما تتيحه لهم الحرية الشخصية: المقهى والمطعم وصالة السينما والمسرح والمركز الثقافي. هذا واحد من الفروق المهمة بين النظام الديمقراطي والنظام الاستبدادي الشمولي، أو الذي يمضي في الطريق إلى الشمولية، كما هو حال النظام السوري اليوم. تضيق المساحات الآمنة بين المواطنين وتتسع مساحات الوحشة والدرس حاضر ومجرب منذ زمن الأسدين، حيث غزت السلطة والأمن كلّ تلك الأمكنة. كانت زيارة صالات السينما، التي استعيرت من ثقافة الغرب الديمقراطية، طقساً احتفالياً يذهب إليه الناس لمشاهدة أفلامهم، كأنما يذهبون إلى حفل، أو عرس، وسرعان ما أصبح موظفو الأمن وجواسيسهم سادة الصالات، وحوّلوها إلى أمكنة تسيطر عليها الرقابة المميتة، أو المشرّدون والعسكر. وصادرت المسرح تماماً، وأنهت الحركة المسرحية، واكتفت بأعمال هامشية مُجدبة، واستولت الرقابة المشددة على المقاهي، فباتت أمكنة للعب الورق والنرد والطاولة فقط، يمنع الكلام في السياسة والأدب، وراحت أجهزة الأمن تلاحق النوادي التي يجتمع فيها المثقفون والكتاب، وتطارد أصحابها ومرتاديها، إلى أن أغلقتها كلّها، أو حولتها إلى أمكنة تصلح للنقاشات البيزنطية حول جنس الملائكة فقط. وإذا ما استخدم أي روائي صالة سينما، أو مسرحاً، أو نادياً، مكاناً لأحداث روايته في ذلك الزمن، فإنه سيكون استعارة تفتقر إلى الوقائع على الأرض، بل ربما أدّت غرضاً مضاداً للحقيقة التي تقول إن الأمكنة العامة، في ذلك الزمن، باتت ممنوعة من الحرية. يتتبع نظام أحمد الشرع خطى نظام الأسدين معاً، بل إن نهج الاستيلاء على المجال العام يتمدّد في الناظم الحالي، ويسعى للاستيلاء على ما تبقى من مخلفات نظام الأسد، الحريات الشخصية في شؤون الطعام والشراب، والأخطر من ذلك أنه يترك المجال العام عرضة لاعتداء مجموعات متشددة، إذا بينما كان نظام الأسد يشدد الرقابة على الحريات العامة، ويترك هامشاً ضيقاً، ولكن ممكناً، للحريات الشخصية، يمضي نظام الشرع للتشدد في الرقابة على الحريات العامة، حيث حُلّت الأحزاب، ومُنعت البلاد من تشكيل أي حزب، أو تيار، أو جبهة، ويمضي للحدّ من الحريات الشخصية للنساء أولاً، ثم للحدّ من الحريات الشخصية للرجال. المتوقع هو ألا تقف السلطة عند هذه الحدود، فطبيعتها وبنيتها الأيديولوجية تنهضان على نهج يميل إلى وضع سياساتها بوصفها مبادئ تشمل المواطنين جميعاً، بحيث تضيق المساحات الآمنة أكثر، وتتسع مساحات الوحشة. * روائي من سورية

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows