Arab
بانخراط جماعة الحوثي اليمنية في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية الأسبوع الرابع منها، تحولت أهداف الولايات المتحدة من الحرب من الأهداف السياسية والعسكرية إلى حرب جديدة لتحرير الممرات البحرية وحل الأزمة الاقتصادية العالمية التي نتجت عن انسداد تلك الممرات. وتحولت أهداف الولايات المتحدة العسكرية ضد إيران من تغيير النظام الإيراني الحاكم والقضاء على البرنامج النووي والقوة الصاروخية الإيرانية إلى هدف شبه وحيد هو إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية، والذي كان مفتوحا قبل اندلاع الحرب، ومنع جماعة الحوثي من إعادة إغلاق مضيق باب المندب والتي شلت حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس رداً على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر سنة 2023.
في 28 مارس/آذار الماضي، شنت جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران أول هجوم لها على إسرائيل، وأكدت الأخيرة إطلاق صاروخ باتجاهها من اليمن. خطورة انخراط جماعة الحوثي الموالية لإيران في الحرب أن أحد أخطر أهدافها الواضحة سيكون وقف الملاحة في مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن، ما يعد تهديدا إضافيا خطيرا على الملاحة الدولية عبر باب المندب، الممر الرئيسي الذي يسيطر على حركة الملاحة البحرية المتجهة نحو قناة السويس، وضربة جديدة للنقل البحري العالمي الذي يتعرض بالفعل لاضطرابات شديدة بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية و45% من إمدادات الأسمدة العالمية.
وبالفعل، هدد الحرس الثوري قبل أسبوع، عبر وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية للأنباء نقلا عن مصدر عسكري إيراني لم تسمه، بأن إيران قد تفتح جبهة جديدة للصراع في مضيق باب المندب في حال شن هجمات برية على الأراضي أو الجزر الإيرانية. وفي الماضي القريب، أظهر الحوثيون قدرة فائقة على تعطيل حركة الشحن البحري عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس في دعمهم لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس" في الحرب على غزة سنة 2023.
إغلاق مضيق هرمز
سيظل عدم توقع إغلاق إيران مضيق هرمز الاستراتيجي أمام الملاحة كردة فعل للعدوان الأميركي الإسرائيلي وتداعياته على الاقتصاد العالمي والأميركي أحد أكبر أخطاء الاستخبارات الأميركية في التحضير للغزو المزدوج. أعلنت إيران إغلاق المضيق في اليوم الثالث من العدوان. في نفس اليوم كتبت مقالا بعنوان، انسداد ممر الحياة عبر مضيق هرمز، نشر في اليوم التالي في "العربي الجديد"، توقعت فيه أن تكون للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تداعيات خطيرة على السوق العالمي للسلع الغذائية، بسبب تأثيرها المباشر على توقف تجارة الغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية من إيران ودول الخليج، كما كان لحرب روسيا على أوكرانيا في فبراير 2022 تأثير مباشر في ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بسبب تأثيرها في إمدادات الحبوب وزيوت الطعام والأسمدة الزراعية من كلا البلدين. فالعلاقة بين الغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية والإنتاج الغذائي لصيقة بدرجة معقدة وعجيبة، حيث يدخل الغاز بنحو 65% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، والتي تشارك بنحو 15% من تكلفة إنتاج المحاصيل، ولكنها تزيد الإنتاجية الزراعية بمعدل 35%.
بانخراط جماعة الحوثي اليمنية في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية الأسبوع الرابع منها، تحولت أهداف الولايات المتحدة من الحرب من الأهداف السياسية والعسكرية إلى حرب جديدة لتحرير الممرات البحرية وحل الأزمة الاقتصادية العالمية.
وأشارت إلى أن الخطر الرئيسي لا يكمن في الخسارة المحتملة للإنتاج فحسب، ولكن الأهم من ذلك هو توقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وتوقعت مراكز بحوث الطاقة أن يؤدي إغلاق المضيق بشكل كامل إلى حرمان الاقتصاد العالمي من 11 مليون برميل يومياً. والنتيجة ستكون ارتفاعاً فورياً في أسعار النفط والغاز العالمية، حيث سيقفز سعر النفط الخام إلى 140 دولاراً للبرميل، وستتضاعف أسعار الغاز الطبيعي المسال أربع مرات لتتجاوز 40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ما سيؤدي إلى صدمة مماثلة للآثار المباشرة لغزو روسيا لأوكرانيا. وستكون أوروبا وآسيا في قلب أزمة الغاز المسال، لكونهما من كبار مشتري هذا الغاز.
وعلى النقيض من ذلك، تتمتع الولايات المتحدة بوضع ممتاز لكونها مصدراً للغاز الطبيعي المسال بعد ثورة الغاز الصخري التي شهدتها خلال العقدين الماضيين. لذلك تتعرض للنقد لأنها تخوض الحرب على إيران دون اعتبار لتخوف حلفائها في أوروبا وآسيا من أزمة الطاقة المتوقعة، وخصوصاً في الغاز الطبيعي والأسمدة المرتبطة بها. أما عدوّتاها، روسيا، التي حظيت بتخفيف قيود تصدير الغاز والأسمدة، والصين التي توسعت في استيراد النفط من إيران بأسعار تفضيلية، فهما مستفيدتان من هذه الحرب، ورب ضارة نافعة.
إغلاق باب المندب
بالتزامن مع توقف الملاحة في مضيق هرمز، فإن توقفها في باب المندب سيكون ضربة مزدوجة للاقتصاد العالمي. فمضيق باب المندب هو ثالث أكبر ممر بحري للنفط وأكبر شريان تجاري وأقصر طريق يربط المحيط الهندي وبحر العرب في الجنوب، بالبحر الأحمر في الشمال، وهو بوابة قناة السويس إلى البحر المتوسط والدول الأوروبية وكندا والساحل الشرقي للولايات المتحدة. ويمر من خلاله 12% من التجارة العالمية وستة ملايين برميل نفط تمر يوميا عبر باب المندب وقناة السويس إلى أوروبا والولايات المتحدة. ولا يوجد بديل لشريان النفط والغاز والأسمدة الذي يمر عبر مضيق هرمز، بين إيران وسلطنة عمان ويربط الخليج العربي وبحر العرب بالمحيط الهندي، ثم مضيق باب المندب الذي تتحكم فيه جماعة الحوثي، ثم قناة السويس. طريق رأس الرجاء الصالح قد يكون بديلاً لباب المندب، ولكنه يزيد مدة وتكاليف الشحن في ظل ارتفاع أسعار الوقود. ما يجعله نقطة ضغط استراتيجية تحت سيطرة الحوثي ضد حلفاء الولايات المتحدة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
تهديد قناة السويس
كشف جنوح السفينة العملاقة "إيفرغيفن" في قناة السويس في آذار/مارس 2021 وتعطل حركة الملاحة العالمية لمدة أسبوع واحد، أهمية القناة لمصر وللتجارة العالمية. وتراوحت تقديرات خسائر التجارة العالمية من إغلاق القناة بنحو 70 مليار دولار، وفقدت مصر 100 مليون دولار مقابل العبور. ثم تأثرت القناة المصرية بقوة بوقف جماعة الحوثي الملاحة عبر مضيق باب المندب لإسناد غزة بعد عدوان أكتوبر 2023. بعد إعلان الهدنة بين حركة حماس وجيش الاحتلال الإسرائيلي في نهاية العام الماضي، كشف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، حجم الخسائر التي تكبدتها مصر جراء إغلاق الحوثيين الملاحة في باب المندب وتوقف مرور السفن في قناة السويس. وقال إن مصر تكبدت خسائر زادت على 9 مليارات دولار منذ بدأت جماعة الحوثي اليمنية هجماتها على السفن في البحر الأحمر حيث كان يمر بالقناة 75 سفينة في كلا الاتجاهين، وبسبب هجمات الحوثي تقلصت إلى 25 سفينة.
طريق باب المندب - قناة السويس يوفر ثلثي مسافة وزمن رحلة التجارة بين الشرق والغرب بديلاً عن طريق رأس الرجاء الصالح، ويوفر 50% من وقود السفن، وهو ممر لأكثر من عشر تجارة العالم، وثُلث تجارة النفط، وتبحر منه 22 ألف سفينة سنوياً من خليج عدن إلى البحر الأحمر وقناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط وبالعكس. ويمر عبر قناة السويس ثلث سفن الحاويات العالمية، وما زال يمثل أهم وأقصر الطرق البحرية في العالم لشحن البضائع المتجهة من آسيا ومنطقة الخليج العربي إلى أوروبا وأميركا الشمالية وبالعكس، وخاصة النفط الخام والوقود والغاز، في رحلة تستغرق سبعة إلى عشرة أيام. وباستهداف جماعة الحوثي هذا الممر الحيوي، ستحتاج سفن الحاويات المتجهة من الشرق الأقصى إلى أوروبا إلى أن تسلك طريقا أطول وأكثر كلفة بنسبة 40% حول أفريقيا، طريق رأس الرجاء الصالح، ما يزيد من وقت شحن البضائع بمقدار أسبوعين إلى أربعة أسابيع.
تراوحت تقديرات خسائر التجارة العالمية من إغلاق قناة السويس بنحو 70 مليار دولار، وفقدت مصر 100 مليون دولار مقابل العبور. ثم تأثرت القناة بقوة بوقف جماعة الحوثي الملاحة عبر مضيق باب المندب لإسناد غزة بعد عدوان أكتوبر 2023.
استهداف الحوثي سفن الشحن يرفع أقساط التأمين ضد أخطار الحرب في البحر الأحمر بما يصل إلى مليون دولار إضافية لكل سفينة. وتحويل الملاحة بعيدا عن قناة السويس يزيد استهلاك الوقود في الرحلات عبر رأس الرجاء الصالح بمقدار مليون دولار لكل رحلة بين آسيا وشمال أوروبا، ذهابا وإيابا. ويشعل أسعار السلع والخدمات في أوروبا والولايات المتحدة، ويتسبب في موجات تضخم جديدة تشبه مثيلتها سنة 2020 الناتجة من اضطراب سلاسل الشحن البحري بسبب وباء كورونا، ويلقي بأعباء على موازنات الأسر والحكومات، وقد تزيد البنوك المركزية أسعار الفائدة مرة أخرى، للتغلب على موجات التضخم المتوقعة، فتتراجع المشاريع الاستثمارية وتزيد أعداد العاطلين عن العمل والفقراء حول العالم، والحل الوحيد لكل هذه الخسائر هو أن يستمع الرئيس ترامب في البيت الأبيض لصوت ملايين المحتجين في الولايات المتحدة وأوروبا ويوقف تلك الحرب غير المبررة.

Related News
فرنسا تتجه نحو «اقتصاد الحرب» بخطة تسليح غير مسبوقة
al-ain
9 minutes ago